ترى كيف يفكر رجل الأعمال الأميركي خلال تفاوضه مع الجنسيات الأخرى؟ وكيف نجحت الشركات الأميركية العابرة للقارات بالفوز بأسواق العالم بلا منازع رغم وجود شركات أوروبية وآسيوية منافسة لها؟ وهل توجد هناك حدود أو ملامح واضحة لفن التفاوض لدى رجال الأعمال الأميركيين؟
هذا ما يحاول الكاتب دين ألن فوستر الإجابة عنه في كتابه الشهير »المساومة عبر الحدود، كيف نتفاوض بنجاح في مجال الأعمال بأي مكان في العالم«. والذي يقدم مقاربات عملية تكشف عقلية التفاوض لرعاة البقر ونقاط القوة والضعف لديهم في عالم الأعمال.
إن الأميركيين في الأعمال الدولية كثيراً ما يتسمون بعدم اللباقة. فنحن نتكلم أكثر من اللازم وندخل في الموضوع مباشرة ونؤمن بالمثل الذي ينادي بعدم »اللف والدوران« ونطالب محدثنا بأن يعطينا خلاصة القول وكثيراً ما نقول: »نحن أصدقاء ولذلك فسأخبرك بالحقيقة حتى لو آلمتك«.
ونحن نعتبر أن »الكلام الصريح الواضح« قيمة ايجابية كبرى بينما الحقيقة الواضحة هنا هي أن معظم بلدان العالم الأخرى لا تفعل نفس الشيء. ونحن لا نقول ان الحقيقة تعتبر سلعة غير ذات اهمية لدى الآخرين (بالرغم من أن هذا قد يكون صحيحاً في بعض الأحوال أيضاً) كل ما في الأمر هو أن أسلوب الوصول إلى الحقيقة هو الذي يختلف،
فالطرق المؤدية إليها قد تكون أكثر التواء والوصول إلى خلاصة القول يحدث بشكل غير مباشر. وهذه العملية الملتفة قد لا يتبعها بالضرورة نية غش أو تجنب أو تهرب أو إرباك كما قد يظن الكثير من الأميركيين الذين يجدون أنفسهم غارقين في هذا المستنقع.
ولكن الأهمية التي توليها الثقافات الأخرى للغموض (وهي غالباً ما تتعارض تماماً مع تأكيد الأميركيين على أهمية الوضوح) كثيراً ما تمثل حاجاتهم التي لا تقل أهمية للحفاظ على علاقات منسجمة وهو أمر لا يقدره الأميركيون بالضرورة. ففي أميركا،
لاننا جميعا متساوون ولأني لا أقل بأي حال من الأحوال عن الآخر الجالس بجواري، فيمكننا الحديث بوضوح وبشكل مباشر. فلا يوجد من هو ذو شأن رفيع لدرجة يتعذر عليَّ معها أن أفصح له عما يدور بخلدي وتتطلب مني تنميق أسلوبي
وإبداء مبرراتي وخلق جو من الغموض كما نرى في كثير من الأحيان يحدث في ثقافات أخرى، فالمساواة تجعل بإمكاننا ان نقفز فوق درجات البناء الهرمي واختراق الشريط الأحمر والاقتراب من أي إنسان مهما كان منصبه والتحدث معه بصراحة.
ولكن، هذا الأسلوب الأميركي المباشر يصبح في نظر ثقافات أخرى لا تقدر قيمة المساواة لهذه الدرجة أمراً قاسياً ومزعجاً للغاية. فهو أسلوب غير شخصي لدرجة زائدة ويعتبر أمراً سوقيا.
فلأسباب عديدة ترتبط بالثقافة التي نتفاوض معها فإن اسلوبنا المباشر قد يتعارض مع بعض القيم مثل الحاجة لحفظ ماء الوجه والحفاظ على الانسجام والتجميل والإتقان والمحافظة على المرونة في العلاقات الإنسانية وعدم جرح المشاعر
وتأكيد أهمية العوامل الإنسانية أكثر من العوامل العملية واحترام المكانة. ولنتأمل الآن كيف أن هذه الاختلافات في أساليب الاتصال تكشف عن نفسها في المفاوضات والعمل.
»استمرت مفاوضاتنا لبعض الوقت وكان هذا على ما أعتقد لقاءنا الثالث أو الرابع خلال عدة أسابيع وكنا قد نمينا علاقة خاصة بيننا ولذلك فقد شعرت بخيبة أمل حقيقية عندما عاد إلينا الجانب الإيطالي بما اعتبرته مجموعة من الأرقام والبيانات الملفقة وغير المدروسة
وكنت أعتقد أننا قد أوضحنا لهم تماماً في اجتماعنا السابق كل المعلومات التي نحن في حاجة إليها وتوقعت منهم استجابة اكثر دقة. فبدون هذه المعلومات سيكون علينا الخوض في عدد آخر من جولات التفاوض في روما الأمر الذي لم يكن لدي الرغبة ولا الوقت ولا المال من أجله.
وما أثار سخطي بوجه خاص هو أنه كان بإمكاننا تجنب كل هذه الاجتماعات لو أن الايطاليين قد استعدوا بالمطلوب منهم في الوقت المناسب وقلت لهم ذلك بصراحة، وكيف أنني أعتقد أن كلهم مخطئون وأنني محبط للغاية وأن هذا الأمر من شأنه أن يعطلنا.. الخ. وكنت أشعر بإحباط شديد جعلني أشك أيضا في صدقهم بشأن الصفقة وعبرت لهم صراحة عن شكوكي.
ظهرت علامات الصدمة على الإيطاليين وأكدوا لنا جديتهم واستعدادهم التام لمراجعة تقريرهم مرة أخرى واعتذارهم عن الإزعاج الذي قد يكونون تسببوا فيه. ساعد كلامهم هذا على تهدئتي بعض الشيء وقلت لهم إنني أتطلع لتخطي كل هذه الأمور في أقرب فرصة وبما أننا كنا قد اقتربنا من موعد الغذاء، اقترحت عليهم أن نخرج جميعاً لتناوله معاً.
كنت أحاول تهدئة الأمور والسيطرة على مشاعري والسعي جاهداً، لا أدري لماذا، للتغاضي عن أخطائهم. ولكن ضمن ما حدث: تظاهروا بالغضب وقال »ماركو« Marco إن لديهم ارتباطا سابقا ولن يمكنهم تناول الغذاء معي. شعرت بالإهانة وبدا عليه هو الغضب. وإني لأتساءل هنا إن كان بوسعنا في يوم ما استعادة العلاقة التي كانت بيننا.
كان الأميركي في هذا المثال يتصرف بشكل طبيعي تلقائي خاصة في ضوء إحساسه بأنه قد أقام علاقة وثيقة بشكل كافٍ ــ من وجهة نظره ــ مع رفاقه الإيطاليين تتيح له التحدث معهم بصدق وأمانة. بصرف النظر عن كون العلاقة قد لا تكون بدرجة الوثوق التي يظنها،
فهذا أمر واقع في نظره بدرجة تشعره بالقدرة على التعبير عن نفسه في العمل مستخدماً الأساليب الأميركية التقليدية. فهو يعبر عن نفسه بشكل مباشر حتى ولو كان ما يقوله ذا طبيعة سلبية. ولكن كلماته لا شك أنها قد صدمت »ماركو« وفريقه.
فالإيطاليون لا يتحدثون مع بعضهم البعض بنفس الأسلوب المباشر الصريح نفسه، خاصة عند إبلاغ بعض الأخبار التي قد تحرج الطرف الآخر أو تخجله. ففي مفاوضات يكون طرفاها متعاونين بوضوح بحثاً عن حلول مرضية لكليهما بشأن المشاكل المطروحة، لا يرغب الإيطاليون في جرح مشاعر أو إضعاف وضع الطرف الآخر. ولا شك أن الأميركيين سيودون تجنب هذا أيضاً،
ولكنهم لا يدركون أن أسلوبهم المباشر وصراحتهم قد تعني كل هذه الأمور في إيطاليا. فهذا الأسلوب يحظى بقيمة وتقدير كبيرين في أميركا وعند عمل الأميركيين مع بعضهم فهم غالباً ما يستخدمون هذا الأسلوب كطريقة للاستمرار في المناقشات بأمانة وصراحة.
ولكن مثل هذه الصراحة قد تكون مؤلمة أحياناً، فهي تهاجم كفاءة جهودهم أو أنها في الواقع هجوم مباشر عليهم كأفراد. فالأميركيون يميلون للفصل بين الأمور الشخصية والعملية. فنحن قد ننتقد الأداء ولكن في الوقت نفسه نحافظ على علاقتنا مع الطرف نفسه ــ قلب وروح المؤدي.
ففي الوقت الذي نجد فيه تمييزاً واضحاً بين الأمور العملية والأمور الشخصية في الولايات المتحدة، فهذا التمييز قد لا يكون بهذا الوضوح في إيطاليا والعديد من الدول الأخرى، وهذا هو السبب في أن »ماركو« لم يستطع أن يصحب الأميركي للغذاء بعد كل هذا التأنيب الذي وجهه إليه.
إن القيم الأميركية تؤكد على أهمية الصدق والصراحة والأمانة. وعندما يتم التعبير عن الآراء والمشاعر بهذا الأسلوب في أميركا فقد يؤذي المشاعر ويشعر الآخرين بعدم الارتياح، ولكنهم دائماً ما يتفهمون هذه الأمور ويشعرون حتى بالتقدير لهذه الصراحة.
وفي ثقافة مثل الثقافة الإيطالية، قد تحظى الصراحة والصدق بالتقدير في حد ذاتها ولكن ــ كما رأينا في المثال السابق ــ فإن التعبير عن الرأي بصراحة وصدق قد يسبب أذى كبيراً للشخص وضرراً بالغاً للعلاقة. بينما في أميركا فإن مثل هذا الحديث من القلب، حتى ولو كان سلبياً، قد يزيد العلاقة قوة ووثوقاً.
في إيطاليا ما يزيد العلاقة قوة هو محاولة أطراف هذه العلاقة مساعدة بعضهم البعض على حفظ ماء الوجه وبذل قصارى جهدهم حتى لا يسيئوا إلى اعتزاز كل منهم بذاته. وقد كان من الأفيد بكثير للأميركي لو أنه اتخذ أسلوباً أقل صراحة ومواجهة أقل تحدياً لذات رفيقه. ولكن روح المساواة الأميركية جعلته يتكلم بصراحة ووضوح مع رفيقه الإيطالي.
في الوقت الذي لا تحظى فيه فكرة المساواة بمثل هذا القدر من التقدير في إيطاليا الذي تحظى به قيم أخرى مثل حفظ ماء الوجه والحفاظ على الكرامة والظهور دائماً بمظهر مشرف وهي: أمور يطلق عليها »bella figura« أو »الصورة الحسنة«. وهكذا ففي المثال السابق شكلت المساواة الأميركية نوعاً من التحدي لمفهوم » الصورة الحسنة«.
كان الأميركي في حاجة لإيجاد طريقة للتعبير عن خيبة أمله بشأن التقرير الإيطالي بشكل لا يسيء مباشرة لكرامة رفاقه الإيطاليين. وبالتأكيد، كما سبق لنا أن ذكرنا، فإن الوعي بالاختلافات الثقافية كثيراً ما يكون عملا وقائيا.
فبمجرد ظهور مشاكل الاختلاف الثقافي يكون الأوان قد فات. ففي هذا الوقت قد تكون السيطرة على الضرر أمراً ملحاً أكثر من محاولة معرفة الخطأ الذي ارتكبته. ولكن، عندما تأتي معرفة الخلافات الثقافية في البداية فالأميركي في هذه الحالة قد يكون قد أخذ بعض الخطوات الوقائية لتقليل فرصة حدوث الخطأ من جانب الإيطاليين والشعور بالإحباط من جانبه هو.
فعلى سبيل المثال، فربما كان قد نجح في توقع عدم إجابة التقرير عن كل أسئلته لو أنه كان يعلم طبيعة تدفق المعلومات في إيطاليا (وهي ضعيفة لأن المعلومات هناك هي نوع من القوة يجب حمايتها والحفاظ عليها بحرص). وربما كان قد توقع أنه لن يكون بوسعه التقدم في المفاوضات بكل تلك السرعة التي توقعها.
بالإضافة إلى ذلك فربما كان قد أعد نفسه وتأهب للرد على هذا الموقف بشكل لا يسيء لــ»الصورة الحسنة« لرفاقه الإيطاليين بأن يقوم مثلاً بالإطراء على تلك الجوانب القيمة من التقرير وفي الوقت نفسه يطلب معونتهم في أن يوضحوا له كيفية إجابة معلوماتهم على كل أسئلته.
(فمن الواضح أن التقرير لم يجب عن كل الأسئلة ولكن هذا الأسلوب المقترح يلقي بمسؤولية هذا التقصير على الجانب الآخر ــ عن حق ــ ولكن »من دون« أن يتسبب في إحراجهم) وأخيراً، في حالة عدم مقدرته على القيام بأي من هذه الأعمال كان عليه أن يعرف أنهم لن يخرجوا معه للغذاء بعد كل ما قاله. ولكن لو أنه قد عرف ذلك في المقام الأول لما سلك هذا السلوك من أساسه.
لقب مقابل لقب
بالإضافة إلى أهمية »الصورة الحسنة« في إيطاليا، فهناك موضوع آخر جدير بالذكر هنا لتأثيره على الجانب المباشر ــ غير المباشر من الاتصال ألا وهو درجة تقدير بعض الثقافات (بما فيها إيطاليا بالتأكيد) لجمال ولباقة وإتقان أسلوب التعبير. إن هذا الأسلوب المزخرف والمنمق نوع من الاتصال كثيراً ما يتناقض مع الأسلوب الأميركي المباشر والصريح والمركز على الأمور الفنية.
وهذه الأمور سنتناولها بمزيد من التفصيل في الفصل الثامن ولكن الجدير بالذكر هو أنه من الحكمة للأميركي في إيطاليا أن يبدي تقديره (ولو أمكنه أن يمارس) الفن الذي يمكننا أن نسميه فن »البلاغة«.
في العديد من الثقافات الأقدم (وهي ممثلة في أوروبا الغربية في دول مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، وفي آسيا نجدها في الصين والهند واليابان) يضفي الناس قيمة كبيرة على نوعية خاصة من التعبير، على فن الاتصال والأسلوب الفخم في الحديث والكتابة (وحتى في الاستماع) وهو أسلوب يتجاوز أسلوب المخاطبة اليومية.
إن الأميركيين ليسوا غير مدركين أو غير قادرين على هذا النوع من التخاطب، فنحن مدركون للاختلاف القائم بين اسلوب التحدث أمام حشد كبير رسمي والأسلوب المستخدم عند الحديث مع بعض الأصدقاء حول مائدة العشاء.
فنحن مدركون لبعض العبارات التي يمكننا استخدامها في التخاطب مع ذوي المناصب الأعلى فنحن »نراقب لغتنا« في وجود بعض الأفراد. ولكن في بعض الثقافات الأقدم منا فحتى التخاطب العملي اليومي يتطلب أسلوباً رفيعاً، فالأسلوب الرسمي في التخاطب سواء كان شفهياً أو كتابة أكثر شيوعاً في هذه الثقافات (فالتخاطب يتم بالألقاب وليس بالأسماء الأولى)
فإن اللغة المعقدة المستخدمة في التعبير عن أفكار ومفاهيم وآراء معينة وتخلل الأسلوب الكتابي لأسلوب الحديث والاستخدام المصقول والمتكلف لأساليب متنوعة وماكرة للإيحاء بمعانٍ عديدة كلها تعتبر أساليب تعبير تمثل اهتماماً باللغة وتعقيداتها يفوق بكثير أسلوب الاتصال والتفاوض الأميركي المباشر.
الرسمية مقابل التبسط
في إيطاليا يطلق على أي شخص حاصل على درجة جامعية لقب »dottore« (دكتور) سواء كان بالفعل حاصلاً على درجة الدكتوراه أم لا. وفي ألمانيا قد ينادي الموظفون في مكتب زميلهم في المكتب نفسه بــ»السيد شميث« Herr Schmidt طالما هم يعملون سوياً سواء أكانت هناك علاقات شخصية بينهم أم لا (وهو مجرد احتمال).
وفي فرنسا يحيي رفاق يهمل بعضهم البعض في الصباح قائلين: »صباح الخير يا سيد لوغراند« Bonjour Monsieur LeFran ويصافحون بعضهم البعض. ويتصافحون مرة أخرى عند عودتهم من تناول الغذاء ومرة ثالثة في نهاية يوم العمل متمنين لبعضهم البعض ليلة سعيدة. وقد تستمر هذه الطقوس طوال فترة عملهم سوياً.
أما اليابانيون فهم يعتبرون بطاقات العمل كأنها امتداداً للفرد نفسه، ولذلك فهم يتعاملون معها باحترام وتقدير (ويتوقعون من الغير أن يفعل الشيء نفسه). ولكن الأميركيين على الجانب الآخر مشهورون بتبسطهم وعدم تمسكهم بالرسميات في أسلوب اتصالهم وتخاطبهم.
فهم سرعان ما ينادون الآخرين بالأسماء الأولى ويتجنبون استخدام ألقابهم ولا يظهرون الاحترام الكافي لألقاب الآخرين، ويدونون ملاحظاتهم على بطاقات العمل ثم يضعونها في الجيوب الخلفية لسراويلهم ويجلسون عليها. وعند الاستئذان من جماعة فإن الأميركيين غالباً ما يلوحون بشكل عابر ليعلنوا للجميع أنهم منصرفون.
أما في أوروبا، فعادة ما يكون على الشخص أن يصافح كل الحاضرين ويستأذنهم فرداً فرداً قبل الانصراف. وفي اليابان، عند استقبال مجموعة من الأفراد في بداية اجتماع عمل، يجب أن تتم تحية كل فرد على حدة بترتيب منصبه ومكانته.
من الواضح أن هناك اختلافات كبيرة في هذا البعد الرسمي، وغير الرسمي، والنقطة هنا هي أن الأسلوب الأميركي في الاتصال والتخاطب، تبدأ بالقاعدة الفلسفية لمبدأ المساواة، يعتبر أسلوباً مبسطاً وغير رسمي بشكل متميز بالمقارنة بمعظم الدول الأخرى.
ولذلك، فيمكننا تحقيق نتائج أفضل في اتصالاتنا مع الثقافات الأخرى الأكثر رسمية لو أننا تعلمنا بعضا من أساليبنا الخاصة في الاتصال التي تتسم بالرسمية أكثر وحاولنا ممارسة هذه الأساليب.
الكلام الصريح مقابل الطلاقة البليغة
إن الثقافات الأكثر رسمية لديها تقدير خاص لــ»فن« الحديث سواء أكان حديثاً ودياً على مائدة أحد المقاهي أو رسمياً على مائدة المفاوضات. الاستخدام الماهر للأسلوب الغامض، التعتيم المقصود، الصور الغريبة، التفسير المعقد للمفاهيم،
الاستخدام البارع للمراوغة اللغوية أو حتى الاستعمال الطنان للزخارف اللغوية ــ بقول آخر فن الإفصاح عن أمور أقل أو أكثر أو تختلف تماماً عما تعنيه بالفعل. الدبلوماسية فن متطور تماماً عبر القرون في العديد من الحضارات وهو يتناقض مع صراحة الأميركيين المطلقة ومن الممكن أن يورط الأميركي الصريح في الخطأ الذي لا مجال لإصلاحه.
»كانت هذه هي الجولة الثالثة لأقداح البيرة وكان »جاك روبرتس« Jack Roberts المدير الأميركي للعمليات الدولية يحاول إقناع نظيره الاسترالي »تيم سميث« Tim Smith (المعروف باسم »سميتي« Smitty لدى كل الذين يتعاملون معه، بأن الأميركيين يشعرون بقلق بالغ إزاء إنتاجية العمليات في سيدني
وكان »روبرتس« أساساً يحاول أن يبلغ »سميث« بأسلوب دبلوماسي قدر الإمكان بأن الأميركيين لن يستطيعوا بعد الآن أن يظلوا في أماكنهم ويرقبوا المشاكل تتراكم حولهم وأنهم يعتقدون أن لب المشكلة يكمن في عجز »سميث« وفريقه عن تناول بعض الموضوعات الشائكة المتعلقة بإدارة العمالة بشكل ناجح.
وأضاف »روبرتس« بأسلوب رقيق قدر الإمكان: »أنت تعلم يا (سميتي) أننا نحن اليانكيين لدينا خبرة كبيرة في مثل هذه الأمور ولذلك فنحن نقترح أنه ربما قد آن الأوان لكي نحاول هنا لعلنا ننجح في الوصول لبعض الحلول التي ربما لم تتنبهوا إليها«.
فأجاب سميث: »أحقاً هذا يا رفيقي؟ إذن ربما قد آن الأوان أيضاً أن تبلغوا المركز الرئيسي أن ما يعتبروه هم مشاكل هو أسلوبنا نحن في العمل هنا. وبالمناسبة، الدور المقبل في المشروبات عليك أنت. في صحتك«.
الأميركيون يمكن التعرف عليهم في أي مكان في العالم من خلال أسلوب المباشر والصريح، ولكن، لو وضعنا أميركيا واستراليا معاً، فستتحول اللعبة إلى أن الشخصين كل منهما يحاول أن يتفوق على الآخر في الحديث بصراحة.
وقد قيل إن بوسعهم أن يذيقوا الأميركيين قليلاً من الإحساس الذي يشعر به الآخرون عند الأميركيين. إن الاستراليين طوروا لأنفسهم نوعاً خاصاً من الأسلوب المساواتي وجدوا معه الأسلوب الأميركي أليفاً مستأنساً للغاية،
فإذا كانت المساواة الأميركية جزءاً من العقلية الأميركية، صامت ولكنه صلب، فإن المساواة الاسترالية تعبير للجميع، إنها قيمة خارجية يؤكدها كل استرالي كل يوم بالعديد من الطرق.
ويفترضون أننا جميعاً نبدأ من نفس النقطة ولكن عندما نعمل بجد نصعد درجات السلم الاجتماعي. أما بالنسبة للاستراليين فهم أيضاً يفترضون أننا نبدأ ولكن عندما نعمل (ليس بالضرورة بكل هذا الجد) نحصل على حياة وننظر لعملية الارتقاء في السلم الاجتماعي على أنها أمر أساسي.
بالنسبة إلينا كلنا خلقنا متساوين ولكن من الضروري بالتأكيد أن نحاول أن نصبح أكثر أهمية ولكن بالنسبة للاستراليين كلنا خلقنا متساوين ومن الأفضل أن نظل كذلك.
الأميركي يسعى للحصول على دعوة للغذاء مع شخصية مهمة فإن الاسترالي لا يولي أي أهمية »فزيد ليس أفضل من عبيد«. وهذه تعتبر خاصية محورية في المبادئ الاسترالية: وهي أنه ليس هناك من هو أفضل أو يتصرف بشكل أفضل من الآخرين في المكانة والطبقة الاجتماعية والمنصب.
عقدة التفوق
الاستراليون حريصون للغاية على تذكرة بعضهم البعض بهذه القيمة الأساسية مثل (ازدراء الألقاب الرسمية والتدرج الهرمي، والحساسية المفرطة إزاء أي تصرف متسلط والتأكيد على أسلوب الحياة المتبسط) فهم حريصون أكثر على تذكرة الأميركيين بذلك.
فشخص له كل هذه الثقة الأميركية بالنفس في نظر الاستراليين يستحثك على أن تسقطه من المكانة الرفيعة التي يخلعها على نفسه. ففي نظرهم يرون في تصميمنا نوعاً من التحدي لكي يثبتوا أننا على خطأ. وفي نظرهم فإن صراحتنا الأميركية تعتبر مؤشراً على رغبتنا في الصراع معهم بشأن أي شيء. وفي المثال السابق رأينا كيف أن ممارسة الأميركي لأسلوب التسلط كان كافياً لاستثارة رفيقه »سميتي«.
ولكن عندما تحدث »سميتي« بصراحة أكبر من الأميركي، عندما تمادى في السلوك المساواتي لدرجة أكبر حتى من رفيقه، فقد دخل معه في عملية »معادلة الكفتين« وكأنه يؤكد له أنه لا يوجد بيننا من هو أفضل من الآخرين. وهذا يعني إعادة تحديد السلطة وإعادة الآخرين لحجمهم الطبيعي. وقد يرى بعض الأميركيين مثل »روبرتس« في سلوك هذا الاسترالي شيئاً من عدم الاحترام والعناد والتمسك بالرأي.
فكما قال لي العديد من الأميركيين، فهم كثيراً ما يشعرون أن الاستراليين يحاولون دائماً الضغط عليهم وإغاظتهم واستفزازهم وتوبيخهم بدون أي سبب ظاهر، وأحياناً يحاولون الدخول معهم في جدال أو صراع أو اختبار للسلطة والمصداقية والإخلاص. وفي ظروف ايجابية، قد تأخذ مسرحية الصراع هذه شكل تبادل الدعابات والود والألفة ولكن في الظروف المتوترة لا تكون هذه المسرحية بمثل تلك الرقة.
فقد يصبح من الضروري جداً لاسترالي مثل »سميتي« أن يبلغ أميركي مثل »روبرتس« بأنه لن يتلقى تعليمات من أحد خاصة لو كان هذا الشخص لا يدري كيف تسير الأمور في استراليا.
إن محاولة »روبرتس« أن يكون دبلوماسياً معه لم تسفر إلا عن زيادة مشاكله تعقيداً، فالاستراليون لديهم حساسية خاصة إزاء محاولة الآخرين إبداء تساهلاً زائداً معهم أو حرصهم الزائد على عدم جرح مشاعرهم.
فسرعان ما يفسرون هذا على أنه نوع من التعطف أو التنازل وكأن الآخرين يريدون إشعارهم بأنهم يتسامحون معهم ويدللونهم أو يتحكمون فيهم بحكم كونهم الأكثر قوة. وليس هناك ما يثير غضبهم أسرع من هذا الإحساس. فما قد ينظر إليه في إيطاليا
باعتباره انتقاء للكلمات الكفيلة بتحسين الأمور بشكل أكثر تعاوناً قد يؤدي إلى رد فعل عكسي في استراليا عندما يكتشف أو حتى يعتقد أنه اكتشف أي نوع من السلوك الموحي بأن صاحبه يبدي نوعاً من التكبر والسيادة بحكم مكانته، فهم لديهم حساسية خاصة جداً نحو هذا السلوك.
وبالطبع فالكثير من هذه الأمور يمكن تفسيرها من خلال تاريخ هذا البلد. فيجب أن نتذكر هنا أن استراليا كانت في بادئ الأمر مستعمرة عقابية للبلد الأم انجلترا وأن من استقروا فيها بعد ذلك كانوا باحثين عن الحرية والمهرب والفرص، ولذلك فليس من الصدفة أن تشترك كل من استراليا والولايات المتحدة في التراث الريادي في روح الاستكشاف وربما في أقوى إحساس بالمساواة في العالم.
وبالرغم من ذلك فهي بلد أحدث حتى من الولايات المتحدة وحدودها أكثر امتداداً. وهي جغرافياً تقع بعيداً عن مصدرها الأوروبي وجغرافياً أيضاً من الصعب هزيمة حدودها فهذه الحدود ليست الحدود الكندية، يجب فهمها واحترامها وتقبلها. ولذلك، فلديهم تقبل للأمور كما أنه ليس بوسع أي إنسان أن يكون أكثر مقدرة من غيره.
وبينما نجد تعدادا متزايدا من المهاجرين كما هو الحال في الولايات المتحدة فإن التفاعل بين الجنسيات الوافدة والثقافة الوطنية الاسترالية ليس بديناميكية التفاعل في الولايات المتحدة في ذلك بالتحديد تكون الاختلافات القائمة بين الثقافتين الأصليتين وهكذا.
مسافة بين نقطتين في آسيا
يصور الآسيويون على أنهم أساتذة في استخدام أسلوب غامض في لغة الأعمال ومن الشائع لدى الأميركيين الذين يعملون مع يابانيين أن يشعروا بالحيرة ويجدوا صعوبة في تحديد متى يوافق اليابانيون ومتى يرفضون. ففي ثقافة لا تعنى فيها كلمة »نعم« Hai بالضرورة »نعم«، ثقافة لا تستخدم كلمة »لا«، يصبح من الصعب على الأميركيين معرفة موقفهم بالضبط.
وفي الصين، أصبح استخدام التشبيهات والأمثلة الشعبية والشعارات والرموز منتشرا لدرجة أنه قد أصبح رمزاً لأسلوب اتصال الصينيين. هذا التقدير الكبير لقيمة الغموض يتناقض تماماً مع مبدأ التفكير الواضح الأميركي ولذلك فقد كان دائماً مصدرا للكثير من سوء التفاهم بين رجال الأعمال الأميركيين والآسيويين.
بالنسبة للآسيويين، من الممكن أن يصبح أسلوب الاتصال الغامض قوة إيجابية. فبإمكانه استخلاص المعلومات حين يسعى الطرف الآخر لتوضيح الأمور، بإمكانه تحاشي المواضيع الحساسة،
وبإمكانه كسب الوقت من أجل المزيد من الدراسة أو التلاعب، ولكن ربما كان أهم النتائج وأكثرها إيجابية هو أن هذا الأسلوب يسعى للحفاظ على العلاقات المنسجمة عن طريق مساعدة كلا الطرفين على تجنب الإحراج وإراقة ماء الوجه.
إن اليابانيين دائماً يتحاشون كلمة »لا« لأنهم يشعرون أن إحباطهم لرغبات الآخرين أو وقوفهم في طريقهم يخلق فجوة بين الفردين (أو بين الفريقين) ويخلق نوعاً من عدم التوازن في العلاقة المتناغمة التي يسعى إليها الطرفان المشتركان في العمل سوياً.
ولذلك، فإن المفاوضات اليابانية ليست بالضرورة مسألة اتخاذ قرار فوري على مائدة التفاوض، ليست مسألة الإجابة بــ »نعم« أو »لا« على الفور، ليست مسألة »خذ وهات« فهي في الواقع فرصة لتبادل المعلومات في إطار أوسع من بناء علاقات على أساس الفوائد المشتركة التي يحصل عليها الطرفان من بعضهما البعض.
إن قول »لا« لهؤلاء الجالسين على الجانب الآخر من المائدة يسبب لهم إحراجاً لأنه يعني أن احتياجاتهم ورغباتهم لن تؤخذ في الاعتبار وهي تعني إما أنك لا تستطيع أو أنك لا تريد أن تساعدهم في تحقيق أهدافهم وأن هذه الأهداف لا تعنيك في شيء.
ولذلك فإن هذا التقدير لأمور مثل الانسجام والعلاقات وحفظ ماء الوجه يؤدي إلى استخدام مفردات رقيقة لينة. فبدلاً من أن نقول »لا، لا يمكن أن نفعل ذلك« نقول »إنه أمر صعب ولكننا سنحاول«. وبدلاً من »لا أعتقد هذا الأمر يهمنا« تصبح الإجابة »نحن حريصون على دراسة عرضكم بمزيد من الدقة ويسعدنا أنكم أتحتم لنا الفرصة لذلك«.
إن العقلية الأميركية تتطلب اتجاهاً جاداً في المفاوضات يقوم على خذ وهات بين الأطراف، أما اليابانيون فهم يتطلبون تجنباً غير مباشر للصعوبات في محاولة لإقامة إطار أعم بين الطرفين من خلاله استكشاف إمكانية أن يصبحوا شركاء جديرين بالثقة.
الجانب الآخر لمعضلة الــ »نعم أو لا« في اليابان هو في كلمة »hai«. فبينما نجد الترجمة الحرفية لهذا اللفظ هي »نعم« فهي في أغلب الأحيان تستخدم كمرادف للتعبير »uh-huh« أو »حسناً«. فهي لا تمثل الموافقة (ولو أنها من الناحية الفنية قد تعني أن رفاقك اليابانيين عادة ما يتخذون مثل هذه القرارات على مائدة المفاوضات وهو صعب الحدوث).
فهذا اللفظ عادة ما يعني: »إني أسمعك استمر في حديثك من إنها اعترافاً بأفكارك، استجابة استماعية إيجابية لما قلته. وكثيراً ما عاد أميركيون من اجتماعاتهم مع يابانيين وهم يعتقدون أنهم قد نجحوا في التوصل لاتفاق لمجرد أنهم كانوا يقولون أثناء التفاوض »hai« لكل ما عرضوه عليهم. ولكن في واقع الأمر ليس هناك أي اتفاق. فلفظ »hai« هنا يعني ببساطة »إني مصغٍ لما تقول. استمر«.
كيف يستطيع الأميركيون تجنب الوقوع في فخ الــ »نعم« و»لا« في آسيا؟ يمكنهم أن يوجهوا أي أسئلة تحتاج لإجابة بــ »نعم« أو »لا« فبدلاً من السؤال: »هل يمكنكم تسلم بضائع قبل يوم 15 مايو؟« يمكنهم أن يقولوا: »متى يمكنكم القيام بالتسليم؟« علينا أن نراعي موضوع الصراحة/ وعدم الصراحة بأن نخفف من وقع الطلب يصبح أقل مباشرة.
وهكذا، فإن السؤال المناسب هنا يصبح »لو أننا تمكننا من في تلبية متطلبات زبائننا من البضائع عالية الجودة التي اشتهرت بها مؤسستكم من الضروري لنا أن نعرف في أي شهر سيكون باستطاعتكم تزويدنا بالبضائع«.
المساواة في أميركا هي أسلوب لإنجاز أمر ما بسرعة، للدخول في الموضوع وإرساء قواعد العمل من أجل إنجاز ما نريد إنجازه. وهي أسلوب فعال وسريع ولكن في آسيا ليس من الضروري أن يكون أكثر الطرق مباشرة على الإطلاق.
الحقيقة نسبية
»أقوم من آن لآخر بالاتصال بالمكتب في المكسيك للاطمئنان على سير العمل. بناء على المفاوضات التي كنا قد انتهينا منها منذ حوالي ستة أشهر، فقد كان من المفروض أن يكون المصنع يعمل الآن بطاقة حوالي 80% ولكن خلال الشهور الماضية كلما ألقيت نظرة على الأرقام كنت أجد أن الإنتاج لا يقترب حتى من نسبة الــ 80% المتفق عليها.
فكنت أقوم بالاتصال للسؤال عن سير الأمور وعن ما إذا ما كانت القرارات التي اتخذناها في المفاوضات يتم تنفيذها بدون مشاكل. وكنت دائماً أتلقى التأكيدات المطمئنة من الجميع. فماذا كان بوسعي أن أفعل أكثر من ذلك؟ ولكن عندما بدأت الأرقام في التدهور وجدت أنه من الحكمة أن أذهب هناك بنفسي.
وعند وصولي أصبت بصدمة، وهو أقل ما يمكنني قوله. فقد وجدت أن بعض أصحاب المناصب المسؤولة قد تركوا مناصبهم ولم يخبرني أحد بذلك. واكتشفت وجود بعض المشاكل الخطيرة بين الإدارة والعاملين التي لم يتم إبلاغي بها. فقد كان هناك على ما يبدو الكثير من الصراعات الداخلية والقضايا السطحية المعلقة بين العديد من أصحاب المناصب العليا مما أدى إلى شبه توقف في عملية الاتصال في المؤسسة المكسيكية.
لم يكن شعوري مجرد خيبة أمل للأوضاع التي اكتشفتها بل أسوأ من هذا كان إحساسي بأنني كنت مخدوعاً طول الوقت. لماذا؟ فلو أنهم كانوا قد قالوا لي الحقيقة فقد كان بوسعي تقديم العون. أما الآن فنحن في ورطة حقيقية«.
إن المساواة قد تؤدي إلى أسلوب مباشر صريح في الاتصال يقوم على مبدأ »قل الحقيقة كما هي«. أما في الثقافات غير المساواتية فأسلوب الاتصال المفضل أحياناً ما يكون: »قلها ليس كما هي«. فالأسباب عديدة بعضها خاص باحترام المكانة والبعض الآخر خاص بعقدة النقص الثقافية العميقة.