تواجه شركات المنتجات الاستهلاكية مجموعة من التحديات تختلف في طبيعتها عن أية تحدّيات شهدتها من قبل. فمن جهة، أدّى تشبّع السوق، واندماج متاجر بيع التجزئة، وميل المستهلكين إلى سلع معيّنة دون سواها، إلى إبطاء وتيرة النمو، وألقى الضوء على أهمية المبادرة إلى تسويق منتجات مصمّمة وفقاً لاحتياجات العملاء.

ومن جهة أخرى فإنّ النفوذ المتزايد لمتاجر بيع التجزئة بفعل الاندماج وتشبّع السوق، وتأثّر العملاء بالتغيّر في السعر، والتعقيد المتزايد في سلسلة الإمداد، تؤدّي إلى تفاقم ضغوط التكلفة وتحوّل اهتمام الإدارة عن مهمّتها الأساسية.

ويوضح ربيع أبو شقرا، مدير في »بوز ألن هاملتون«، اللبس الحاصل في فهم الكثير من الشركات لعملية التعهيد بالقول: ليس التعهيد (Outsourcing) مجرّد طريقة لخفض النفقات، بل هو أداة لتحسين أسلوب إدارة العمل وزيادة فعاليته، فمنافع التعهيد كثيرة وكفيلة بإحداث تحوّل جذري في أداء شركات السلع الاستهلاكية إذا ما طبّقت على الوجه الصحيح.

ويضيف: يجب على الشركات في الشرق الأوسط، تحليل احتياجاتها ومتطلّباتها واختيار ما يمكن تعهيده على هذا الأساس، ونذكر هنا أن شركات السلع الاستهلاكية عبر العالم تواجه معضلات مشابهة، والحلول الأمثل لزيادة الربح والعائدات، تكمن في التعهيد.

ويسجّل مفهوم التعهيد على المستوى العالمي معدّلات نمو فجائية سريعة، وتتأكّد يوماً فيوم قدرته على تحسين فعالية التكلفة وكفاءة العمل. ومن المستغرب بطء شركات المنتجات الاستهلاكية في الشرق الأوسط في اعتماد أسلوب تعهيد نشاطاتها.

ما نوع النشاطات التي يمكن تعهيدها؟

غالباً ما تلجأ الشركات إلى تعهيد النشاطات المكمّلة وتؤدّي النشاطات الأساسية داخلياً. غير أنّ »بوز ألن هاملتون« تقترح أن تنتهج شركات المنتجات الاستهلاكية أسلوباً شاملاً ومنطقياً في تحليل فرص التعهيد، آخذة في الاعتبار سلسلة نشاطاتها كاملةً ومجموعة الخيارات الخدمية المتاحة.

فقد ثبت من التجارب السابقة ضرورة تقييم فرص التعهيد في سياق استراتيجية شاملة، وإلاّ تعذّر تحقّق الوفر المطلوب. لذلك، يستحسن إجراء البحوث وجمع المعلومات اللازمة قبل اتخاذ قرار التعهيد، استناداً إلى بيانات اقتصادية قوية وأساليب إدارة المخاطر، ومن خلال تغيير النهج الإداري.

لاسيما أن احتياجات قطاع المنتجات الاستهلاكية لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن احتياجات القطاعات الأخرى، إلاّ أن التطوّر المتواصل في سوق خدمات التعهيد ـ وما ينتج عن ذلك من انفتاح أكبر على إمكانية تعهيد وظائف تعتبر أساسية ـ بدأ يرجح الكفّة لصالح تحقيق النمو بدلاً من مجرّد الاكتفاء بخفض التكلفة، وذلك عبر مجالين هما البحث والتطوير والبيانات التحليلية.

ويبقى الحلّ الأساس تعهيد أكبر قدر ممكن من النشاطات في قطاع السلع الاستهلاكية، وقد يتساءل البعض عن المخاطر المطروحة، ويشكّك في منافع تعهيد ما يعتبره معظمهم في قلب الوظائف الأساسية في قطاع المنتجات الاستهلاكية، وهو تطوير المنتجات.

إلاّ أنّ »بوز ألن هاملتون« تعتبر هذا النمط من التفكير بعيداً عن المرونة والحداثة. فشركات المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية على سبيل المثال، تستخدم مورّدين من آسيا لتصميم منتجاتها منذ سنوات طويلة.

ويقول ربيع أبو شقرا: من المجدي أن تلجأ الشركات إلى تعهيد أكبر عدد ممكن من الوظائف إلى مجموعات خارجية، فعادةً ما تتحفّظ الشركات على التخلّي عن أجزاء منها، تعدّها جوهرية في إدارة عملياتها، ولكن ثبت بالتجربة والاختبار أنّ النتائج ستكون إيجابية على مستويات كثيرة، وليس فقط في مجال خفض التكاليف، إذ من الممكن أيضاً المحافظة على الأرباح الحقيقية.

أي الخدمات نعهدها؟

السبيل الأفضل إلى معرفة نوع الوظائف التي يمكن تعهيدها في شركة منتجات استهلاكية هو عبر طرح الأسئلة التالية:

1. هل تضيف عملية التعهيد ميزة تنافسية؟ هل تتطلّب طبيعة النشاط المراد تعهيده معرفة وإلماماً في مجالات معيّنة أو تفاعلاً مباشراً ما؟ إذا كان الردّ على السؤالين بالإيجاب، فمن غير الممكن تعهيد هذا النشاط.

2. هل من قاعدة مورّدين ملائمة لنوع النشاط في الخارج، وهل من فرص للاستعاضة عن العمالة المكلفة بعمالة أقل تكلفة؟ إذا كان الردّ على السؤال بالإيجاب، ولا مخالفة للشرط أعلاه، فخيار التعهيد ممكن.

إنّ مفهوم تعهيد الخدمات إلى مورّدين خارجيّين مفهوم راسخ وسيدوم، فالظروف الاقتصادية مؤاتية والحاجة إليه ملحّة والطلب عليه في ازدياد. وستستمر الخدمات تتحسّن نوعاً وتنوّعاً مع ازدياد المورّدين خبرةً وفي ضوء التطوّر التكنولوجي المتواصل. ومن المستغرب اليوم ألاّ تستغّل هذه الفرص كما ينبغي في قطاع المنتجات الاستهلاكية، لكننّا على يقين بأنّ التغيير وشيك.

فشركات المنتجات الاستهلاكية تواجه ضغوطاً متنامية في التكاليف والإيرادات، استنفدت معها خياراتها الأخرى كلّها، وهي ستدرك مع الوقت أنّ التعهيد ليس مجرّد وسيلة لخفض التكاليف تّتخذ ردّ فعل على حالة معيّنة، وإنّما هو عامل تحويل وتحسين استراتيجي، يتيح زيادة الرّبح وتحقيق قيمة مضافة في المدى الطويل.