ضاقت قاعة «بيرغرين» في فندق «رويال ميراج» الليلة قبل الماضية بعشاق الموسيقى، وكان التنوع بين الحضور ظاهراً للعيان، حين تصادفك الوجوه والسحنات وألوان الشعر في الصالة المحاذية لمكان الحفل، الذي أقامته جامعة زايد تحت رعاية معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وحضره الدكتور سليمان الجاسم مدير الجامعة وعدد من أعضاء البعثات الدبلوماسية لدى الدولة، وحشد من الشخصيات والفعاليات الأكاديمية والثقافية والفنية من جنسيات مختلفة.

والقاعة الأنيقة التي اعتادت على استضافة أمسيات الفنانين القادمين من القارة الباردة، كانت تشتعل بحرارتها في كل مرة يقصدها هؤلاء الآتون من وراء البحار، ليمتعوا قاصديها بأعذب النغمات والإيقاعات، وأغلب الظن أن جدران تلك القاعة المصممة على الطراز الأندلسي لا تزال تحتفظ بصدى ألحانهم. والأمسية التي أقيمت مساء الأربعاء تحمل نكهتها الخاصة، كون نجومها يأتون من عوالم مليئة بالأسرار، وكيف إذا كانوا يحملون في جعبتهم ما أبدعه الغجر في الشرق الأوروبي من موسيقى تشي بأشياء حياتهم. هؤلاء الذين يرحلون من بلد إلى آخر، ويطمحون بالحصول على الرزق من خلال الرقص في الأعراس، والعزف في ساحات المدن والقرى التي يحلون فيها، إضافة إلى قيامهم بالأعمال الوضيعة لكسب القليل من المال.

والفرقة التي جلسنا قبالتها، وهي تتخذ من مسرح قاعة «بيرغرين»، كانت حاضرة بكل جوارحها، حين استحضرت معها إلى الخشبة عربتين ملونتين، تشبهان إلى حد بعيد «كرفانات» الغجر التي يستخدمونها في ترحالهم.

الفرقة اسمها «لويكا» تأسست عام 1990 على يد سيرغي أردنكو وأوليغ بونوماريف، وأقامت في ايرلندا سنوات عدة، وأحدثت تغييرات في الموسيقى الغجرية التي تستند إلى موسيقى «الراشا»، وتميزوا بأسلوبهم الخاص، وبالطبع فقد جالت الفرقة في أنحاء أوروبا وأماكن أخرى من العالم. كما أصدرت عدداً من الأسطوانات و ال«دي في دي» لأعمالها الغنائية وحفلاتها.

«لويكا» التي قدمت إلى دبي بالتعاون بين جامعة زايد والفنانة إيلينا فون هافن المقيمة في الإمارات، مؤلفة من ثلاثة فنانين: سيرغي أردنكو (عازف الكمان)، وجورجي أوسمولوفسكي (عازف الكمان)، وميخائيل سافيستشيف (عازف الغيتار)، وكان واضحاً في تقديمهم المقطوعات والأغنيات المتتالية، أنهم موسيقيون يتمتعون بخبرة طويلة، إذ ظهرت براعتهم في العزف الارتجالي، والتناغم فيما بينهم من خلال توزيع الأدوار في تصعيد إيقاع الموسيقى وهبوطها.

وتوالت خلال القسم الأول من الأمسية أعمال تنوعت بين الموسيقى الصافية والأغنية أو «الأهزوجة»، وكلها حملت روح الحياة الغجرية، بما هي ترحال من مكان إلى آخر.. فاستمع الجمهور بإنصات تام إلى الأداء المتقن للثلاثي الغجري، الذي نال التصفيق الحار عند انتهائه من كل مقطوعة أو أغنية. ودام القسم الأول خمسا وأربعين دقيقة، وتضمن على التوالي المقطوعات التالية: «جامبرينوس»، «ماليجاراكيزا»، «لويكا»، «سارباتريا»، «عودة المايسترو الغجري»، «ماتو»، «فينجركا» و«بامشيك».

وبعد استراحة لربع الساعة، عاد الثلاثي الغجري إلى المسرح، وواصل اللعب على أوتار الغيتار و«الفيولون»، متابعاً الأجواء ذاتها التي استهل بها الحفل، حيث الموسيقى الصاعدة من أعماق الذاكرة الغجرية ظهرت في مقطوعات. «هوتسا»،و«سيفوسيفو»،و«تشارداش مونتي»، و«أوبا تسوبا»، و«شل مي فيرستي»، و«بيبولدو»، و«تيليما».

وعلى مدى فصلي الأمسية، أعادنا ثلاثي «لويكا» الغجري إلى أحد رواد الموسيقى الغجرية الهنغاري «فرانز ليست»، لا سيما حين نسمع عبر أوتار الكمان (الفيولون) إلى ما يشبه زقزقة العصافير، وهذه المقطوعة التي أطلق عليها «ماليجاركيزا» لعبت على (مي مينور) حيث تم الاندماج الهارموني ما بين الصوت والإيقاع.

وفي أعمال أخرى، ولا سيما منها مقطوعة «لويكو»، ثمة جسر ميلودي مترابط ما بين الغيتار وآلتي الكمان، إذ يسيطر «ميلودي» منفرد على طول الجمل الموسيقية، يرافقه ضبط للغيتار حتى الفراغ من عزف المقطوعة، بينما بدا النقر على الأوتار كما لو أنه نقر على الخشب.

وكان لافتاً، أن عدداً من أغنيات الثلاثي الغجري دنت كثيراً من الأسلوب الكوبي، فتارة كنا نسمعها صاخبة، وتارة أخرى خفيضة كما لو أنها تنضح بشيء من الحزن، ومع كل نقلة، كنا نلاحظ سلماً موسيقياً مختلفاً وإيقاعاً جديداً.

دبي ـ إسماعيل حيدر