مع اقتراب الإعلان عن تفعيل الاتحاد النقدي الخليجي وإنشاد عملة خليجية موحدة، تتزايد الدراسات والمناقشات وتعقد الاجتماعات المؤتمرات لتبحث أفضل الأساليب والطرق التي تنشأ على أساسها هذه العملة، حتى يمكن تفادي أي خسائر قد تترتب على إنشائها إن لم تقيِّم على أسس سليمة، وهو ما يهتم به مجلس التعاون الخليجي والبنوك المركزية في دول الخليج بالإضافة إلى صندوق النقد العربي والمؤسسات النقدية العربية.

ولا شك أيضا أن هناك جهات خارجية ودولية تهتم بالاشتراك في الدراسات والمناقشات التي تتم حاليا في هذا الشأن، من بينهما صندوق النقد الدولي الذي تقضي مادته الأولى بضرورة الاشتراك مع الدول الأعضاء في تهيئة الظروف المناسبة للاستقرار النقدي الإقليمي والدولي،

كما تهتم بعض البنوك المركزية والإقليمية بمتابعة هذه التطورات، من بينها البنك المركزي الأوروبي الذي نشرت أجهزة الإعلام خلال الشهر الحالي انه انتهى من إعداد دراسة عن السلطة النقدية المشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي وذلك بتكليف من الأمانة العامة للمجلس.

وفي الاجتماع الواحد والأربعين للجنة محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية بدول مجلس التعاون الذي انعقد في أبوظبي أوائل سبتمبر الحالي أشار معالي محافظ بنك الإمارات المركزي إلى أهمية بحث نقطتين:

(1) الإطار التشريعي والتنظيمي للسلطة النقدية المشتركة بدول مجلس التعاون ونظامها الأساسي مع إنشاء البنك المركزي الخليجي المشترك ونظم المدفوعات التي تتقرر بعد إنشائه.

(2) إصدار قانوني خليجي أو اتفاقية موحدة تعتمدها دول مجلس التعاون لإنشاء الاتحاد النقدي الخليجي مع بحث قواعد السياسات النقدية التي تؤدي إلى إصدار العملة الخليجية الموحدة وطرحها للتداول وإدارة احتياطياتها الموحدة.

كما بحثت اللجنة أيضا المراحل الزمنية لإقامة السلطة النقدية المشتركة وعلاقة البنوك المركزية الخليجية معها، وكيفية إجراء المدفوعات عند إطلاق العملة الخليجية الموحدة، وذلك لتحديد شكل هذه العملة وقيمتها واسمها وفئاتها تمهيداً لإصدارها في عام 2010 وفقا لما تم إعلانه عن طريق مجلس التعاون الخليجي،

وبالتالي فأنه يتعين قبل ذلك التاريخ الاتفاق على المعايير المشتركة المتعلقة بهذه العملة ـ ومن بينها مستويات مديونيات الحكومات وعجز الموازنات والتضخم وأسعار الفائدة واحتياطيات النقد الأجنبي، وهي معايير شغلت الدول الأوروبية مدة طويلة قبل إصدار اليورو حتى تم الاتفاق عليه وأعلنت العملة الأوروبية الموحدة وأصبحت من العملات الرئيسية.

على أنني اعتقد أنه لم يتم بعد الانتهاء من دراسة كيفية تقييم العملة الخليجية الموحدة ولا الأساس الذي ستقوم عليه، وهي أهم النقاط المطلوبة في هذا الشأن، خاصة وأنه من المعروف أن عملات دول الخليج ترتبط حالياً بالدولار الأميركي، وأن هذا الربط تعرض لانتقادات واسعة خلال السنوات الأخيرة التي شهد فيها الدولار الأميركي تراجعاً كبيراً في قيمته،

كما أن هذا التراجع كان يغذي التضخم الذي ارتفعت نسبته في المتوسط داخل الدول الخليجي من خلال ارتفاع تكلفة الواردات بالعملات الأجنبية الأخرى، بل أكد البعض أن هذا الربط هو السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار السلع التي تتداول في الأسواق الخليجية المحلية سواء بالنسبة للسلع الاستهلاكية أو السلع الوسيطة أو حتى السلع الرأسمالية.

كما أكد بعض خبراء النقد الخليجيين أن ربط العملات الخليجية بالدولار الأميركي الذي بدأ انخفاضه التدريجي في الخمس سنوات الأخيرة، يعني أن السياسات النقدية الخليجية تتحدد من الناحية الفعلية في الولايات المتحدة بناء على أولويات تختلف تماما عن تلك السائدة في دول الخليج،

حيث تتعرض العملات المحلية الخليجية لضغوط صعودية مع تزايد عائدات النفط، كما أن هناك عوامل أخرى تؤيد هذا المعنى وهو ما يقتضي إلغاء الربط مع الدولار الأميركي، لإفساح المجال لتقييم العملة الخليجية الموحدة على أسس سليمة تتفق مع الأوضاع الاقتصادية الفعلية في دول الخليج بعيداً عن التطورات النقدية والاقتصادية التي تحدثت بالخارج أو في داخل الولايات المتحدة الأميركية ـ ويهمني أن اذكر بعض هذه العوامل فيما يلي:

1ـ توالي وتزايد انخفاض قيمة الدولار الأميركي في السنة الأخيرة حيث بلغ هذا الانخفاض ما يقرب من 35% أمام اليورو الأوروبي، وامتداد هذا الانخفاض أمام العملات الرئيسية الأخرى كالين الياباني والجنيه الاسترليني وان كان بنسبة اقل، وذلك مع عدم قيام الولايات المتحدة الأميركية باتخاذ أية خطوات قوية لمعالجة هذا الانخفاض مثلما كان يحدث في الماضي

حيث كانت تقوم بعمل إجراءات ووضع خطوات عاجلة لمعالجة انخفاض سعر صرف الدولار الأميركي كلما كان السعر يميل إلى الانخفاض، ومن بينها تحسين الميزان التجاري الأميركي ومعالجة عجز ميزان المدفوعات وزيادة سعر الفائدة على الودائع بالدولار الأميركي كلما كان السعر يميل إلى الانخفاض، ومن بينها تحسين الميزان التجاري الأميركي

ومعالجة عجز ميزان المدفوعات وزيادة سعر الفائدة على الودائع بالدولار الأميركي والتي كانت قد وصلت في أوائل الثمانينات إلى ما يقرب من عشرين في المئة ثم انخفضت إلى 1% تقريباً وأن كانت قد تزايدت في الوقت الحالي إلى ما يقرب من 3%.

2ـ ليس من المتوقع أن يتحسن سعر الدولار الأميركي في الأعوام القليلة القادمة حيث أنه مازال فوق قيمته الحقيقية العادلة بمقدار 4% حسب تقدير مؤسسة ميريل لينش الدولية والمتخصصة في البحوث الاقتصادية والنقدية و التي ذكرت أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» يعتمد سياسة نقدية انكماشية تؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي الأميركي،

كما ان العملات التي لم ترتفع كثيراً أمام الدولار بعد انخفاضه قد تقوم بذلك في فترة قريبة ومن بينها الين الياباني والرنجي الصيني والبيزو المكسيكي وغيرهم من عملات الدول التي لم تقم بعد بإعادة تقييم عملاتها المحلية بالدولار الأميركي بعد انخفاض قيمته في الأسواق الدولية، بينما تفكر حاليا في التخلص من الأرصدة الدولارية التي تملكها بعد تضاؤل قيمة الدولار الأميركي في تكوين الاحتياطات النقدية الدولية والتي انخفضت إلى 50% حالياً.

3ـ ان دول التعاون الخليجي كانت تعظم معاملاتها الخارجية مع الولايات المتحدة الأميركية ومع بعض دول آسيا وأميركا الجنوبية بالدولار الأميركي، خاصة وأن سداد وتحديد أسعار البترول مازال يتم بالدولار الأميركي حتى الآن، وبالتالي فإن ما تحصل عليه الدول الخليجية من دولارات أميركية كانت تقوم بسداد جزء كبير منه في واردات سلعية بالدولار الأميركي،

وبذلك لم تكن تظهر بوضوح خسارة ربط العملات الخليجية بالدولار الأميركي في السنوات السابقة، طالما كانت تستخدم النسبة الكبرى من المتحصلات الدولارية في مشتروات دولارية، غير أن الوقت الحالي يختلف في توجيه المعاملات الخارجية حيث بدأت نسبة كبيرة من المعاملات التجارية تتم مع دول الاتحاد الأوروبي،

وهو ما يؤدي إلى خسارة نقدية كبيرة طالما يتم الدفع بالدولارات الأميركية بعد انخفاض قيمته بما يقرب من 35% أمام اليورو الأوروبي، خاصة وأن السلع الأوروبية يتم تحديد أسعارها باليورو الأوروبي في كافة دول الاتحاد الأوروبي.

4ـ أن أغلب الأزمات الفعلية التي حدثت إقليميا وقطريا في الفترة الأخيرة كانت بسبب تقلبات شديدة في سعر صرف العملات المحلية، خاصة تلك التي ارتبطت بالدولار الأميركي، حيث بدأ سعر الدولار الأميركي في الانخفاض منذ أكثر من سنتين، وتدرج هذا الانخفاض مع زيادة الانتعاش الاقتصادي الأوروبي،

وهو ما دفع الولايات المتحدة الأميركية إلى الاهتمام بتقوية اقتصادياته لكي تستطيع منافسة اقتصاديات الاتحاد الأوروبي ووقف سيل السلع الصينية، وبالتالي لم تكن تهتم بتحسين قيمة الدولار الأميركي، وظهر هذا الفكر واضحاً في عهد الرئيس بوش الذي رأى ضرورة الوقوف ضد الغزو السلعي الأجنبي للولايات المتحدة الأميركية

والذي أدى إلى عجز متزايد في ميزان المدفوعات الأميركي، خاصة ان هذا الغزو يؤدي إلى إغلاق مصانع أميركية عديدة وتشريد آلاف العاملين بها وزيادة العاطلين الأميركيين، وطالما ظل هذا الفكر سائداً فإن الدولار الأميركي سيظل منخفضاً لفترة طويلة لا يعلم مداها إلا الله.

5ـ في ضوء الوضع الجديد الحالي لسعر الدولار الأميركي في الأسواق الدولية فقد قام عدد كبير من دول العالم بإلغاء ربط عملاتهم بالدولار الأميركي وتحرير سعر صرفه طبقا للعرض والطلب تمشيا مع مقتضيات النظام الرأسمالي، وأصبح النظام النقدي العالمي في طريقه إلى التعديل والوصول إلى طرق نقدية جديدة لتحرير أسعار الصرف واتباع أنظمة تؤدي إلى عودة الاستقرار النقدي العالمي

وعدم اعتصار جهد الدولة لصالح دول أخرى أو العكس، وبما يضمن وضعا عادلا لتقييم المعاملات في ميزان المدفوعات في كل دولة حسب نشاطها في الإنتاج المحلي، فإذا كانت تنتج أكثر من استهلاكها وتصدر الباقي فسيكون هناك فائض في ميزان المدفوعات طالما يتم التصدير بالأسعار العادلة،

كما يحدث العكس في حالة زيادة الاستهلاك عن الإنتاج المحلي وهو ما يؤدي إلى تحقيق العدالة الدولية الاقتصادية بين الدول المختلفة والتي كان النظام النقدي العالمي يسعى إلى تحقيقيها دون مشاكل أو نزاعات أو صدامات مسلحة بين الدول.

أقول تقييم العملة الخليجية الموحدة وربطها بمثبت مشترك سيكون من أهم الجوانب التي تواجه اللجان المتعددة والجهات النقدية المختلفة التي تقوم بدراستها حاليا، حتى تأتي الدراسة بقيمة حقيقية ثابتة أو متغيره حسب العرض والطلب الداخلي،

وسواء كانت مدارة أو معومة فالمهم أن يتفق سعر العملة مع القوة الاقتصادية التي تتمتع بها دول الخليج ولا تسبب خسائر لأي منها، بل تكون عملة قوية وحقيقية لا تضيع حقوقا للدول الخليجية ولا تسبب التزامات إضافية عليهما.

مستشار وكاتب اقتصادي مصري