لتوضيح أو بيان ماهية الانفتاح الاقتصادي ومركزاته قد نستغرق وقتا ليس بالقليل وحتى بعد التوضيح والبيان يخرج بعض المستمعين والمنصتين تشوبهم حالة من الضبابية، وقلما من يجيد البلاغة، ولعل كلمات كانت تغنيك عن محاضرة. ومن خلال متابعتي لقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مع رئيس مجلس إدارة روتشيليد الأسبوع الماضي،
بيّن وبكل وضوح وبلاغة أن الانفتاح الاقتصادي المتوازن لديه أربع ركائز يرتكز عليها اقتصاد الدولة هي: الأمن والأمان والتعايش والعمل الحر الشريف، إذ تعد من دعائم الانفتاح الاقتصادي المتوازن، والتي أرستها الإمارات لكل باحث عن الاستثمار المالي والتكنولوجي والتعليمي والعقاري من خلال تهيئة المناخ الاستثماري الملائم الذي جاء في ظل توجيهات صائبة تنتهجها القيادة في تفعيل عملية الانفتاح الاقتصادي.
هذه المسارات جعلت أكثر من سبعين جنسية متواجدة في الدولة يتعايشون بسلام ومودة، فدبي تحتضن مختلف الأنشطة وتلعب دورا محوريا في خدمة الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وذلك من خلال دورها كمركز للشركات العالمية ونشاطها الرائد في مجال تجارة إعادة التصدير وموقعها المتميز على صعيد السياحة الإقليمية والعالمية. مما يستدعي السؤال لماذا تقدمت دبي وتراجع أو فشل الآخرون؟
وقد بين الأستاذ عبد الرحمن الراشد أن دبي تصدم الزائر الذي اعتاد على المدن العربية الحديثة منها والقديمة. فيها يكتشف الزائر انه لا يوجد عذر يبرر فشل المدن الأخرى في المنطقة. فهي مدينة لا تقوم كثيرا على النفط ولا على المعونات الأجنبية ولا العطف الحكومي. سرها في انفتاحها وشجاعتها على تجريب منهج مختلف في الإدارة وطموحها الذي لا يعرف حدودا.
ونحن بدورنا نضيف أن هناك بلداناً غنية بمواردها الاقتصادية إلا أنها فقيرة في إمكانياتها التعبوية والتسويقية، والمؤسف أن هناك من أبناء جلدتنا يربطهم نسيج اجتماعي واحد تركوا اقتصاد الوفرة واقتصاد الندرة، وانشغلوا بأمور (لاتسمن ولا تغني من جوع)
مما أدى إلى تراجع اقتصاداتهم عشرات السنين، فهل نحن امة فعلا لا تقرأ ؟ كما عبر عنها أعداؤها في مقولة (إن العرب امة لا تقرأ ....وإذا فهمت تنسى) فلنقرأ تاريخنا جيدا وليلتمس الآخرون طريق الحكمة التي انتهجتها الإمارات في بناء وتنمية اقتصادها، ولكي يتجنبوا أخطاء داحس والغبراء وليصبوا جهدهم في مصلحة بناء اقتصادات بلدانهم.
كانت لكل من ألمانيا واليابان قصة نجاح شهدها العالم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، واليوم لا أحد يستطيع أن ينكر أن هناك عملية تغيير عميقة جرت وتجري منذ أكثر من عقد داخل الإمارات، كانت ناجحة بكل معانيها حيث اتخذت من الانفتاح الاقتصادي والتكيف مع حاجات الاندماج في السوق العالمية محورا أساسيا لها
والذي يميز هذا الانفتاح هو السعي ما أمكن إلى الاحتفاظ بآليات نموذج الانفتاح الاقتصادي لضمان النمو بدول المنطقة والاهتمام باقتصاديات دول المنطقة لأن تحقيق النمو الاقتصادي والصناعي فيها ينعكس إيجابياً، بحكم العلاقة التبادلية بين اقتصادات الدول على الصعيد الإقليمي والعالمي.
لقد أدركت القيادة في الدولة بأن الاقتصاد الجديد يمتلك كل مقومات البقاء، وفي مقدمة هذه المقومات التكنولوجيا الرقمية التي تعد من محفزات النمو الاقتصادي، وفي هذا الإطار أكد محسن خان مدير دائرة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي مؤخرا بأن النفط لن يكون مصدراً لتوفير الوظائف في المستقبل في منطقة الخليج. كما أنه ليس من المنتظر أن يشكل التصنيع الحل في هذا الاتجاه لمحدودية الأسواق،
وأضاف إن النفط سيستمر في تشكيل إحدى المواد المهمة للتصدير، مترافقاً مع الخدمات، التي يمكن المنطقة أن تتخصص فيها لِتَعرضها للعالم. وأنه لو أخذنا أحد مقاييس التنمية، وهو مدى توزيع الناتج الإجمالي المحلي، فإننا سنجد أن نصيب الفرد النسبي مرتفع في الخليج. لكن هناك مقاييس أخرى تحدد نمو المنطقة. فهناك مسألة التعليم، ووضع الاقتصاد بشكل عام.
فإن تمكنت من تحقيق نجاحات في هذا الاتجاه، يمكنها أن تحقق التنمية، وتنتقل بذلك إلى صفوف الدول المتقدمة، فالاستثمار العقاري يلي مباشرة الاستثمار في السوق المالية، ويعتبر الاستثمار الآمن والأكثر استقرارا مقارنة بسوق المال.
كما ان متطلبات السوق موجودة من حيث الأصول ورأس المال ووجود المستثمرين، ومن أجل ذلك لابد من تمكين دول المنطقة من امتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا والخدمات، لأن ذلك وسيلة أساسية في رفع مستوى تلبية الاحتياجات العالمية والبشرية للمستقبل، وتأمين قاعدة صناعية وإنتاجية وخدمية منخفضة التكاليف.
باحث اقتصادي
Kutaiba@emirates.net.ae