لم تنجح شركات العلاقات العامة في منطقتنا، ومنذ اشتداد عودها في منتصف تسعينات القرن الماضي، في تحريض الشركات على مزيد من الإنفاق على خدمات العلاقات العامة، بشكل »مواز« أو بديل للإنفاق على الإعلانات.

ولولا الدور الذي تلعبه دبي، حاضنة الفكر التسويقي في العالم العربي، في نشر ثقافة العلاقات العامة في الداخل ودول الجوار، لكانت معدلات الإنفاق على هذا النشاط، الذي يسميه البعض »الذراع الرئيسي« ويسميه الآخرون »الكذب الجميل«.. لكان هذا الإنفاق أقل بكثير مما هو اليوم، والذي تقدره دراسات جمعية الشرق الأوسط للعلاقات العامة »ميبرا« بحوالي 0.1% مما يتم إنفاقه على نشاط الإعلانات في المنطقة.

وإذا ما اعتمدنا رقم 19.87 مليار درهم الذي قدرته شركة »بارك« لحجم الإنفاق الإعلاني في المنطقة العربية في العام 2005، واعتمدنا نسبة 0.1% التي أعلنتها »ميبرا«، فهذا يعني أن حجم الإنفاق على نشاطات العلاقات العامة قد بلغ 20 مليون درهم في العام 2005.

ويشير إلى هذا الرقم أن منطقة الشرق الأوسط هي في أدنى اللائحة العالمية لأكثر الدول إنفاقاً على العلاقات العامة، وهو تصنيف شبيه بموقعنا على لائحة النشاط الاعلاني أيضا. في الولايات المتحدة الأميركية، أحد أكبر أسواق الإعلانات في العالم،

لا تحول سيطرة النشاط الدعائي دون الإيمان بقدرة العلاقات العامة على إيصال رسالة الشركة بحرفية ومهنية وتأثير. حتى ان دراسات حديثة أشارت إلى أن نمو قطاع العلاقات العام (بي آر) في الولايات المتحدة بلغ 9% في السنة، ما يساوي 3.7 مليارات دولار، في الوقت الذي ينمو فيه سوق الإعلانات المقدر بـ475 مليار دولار بمعدلات لا تتجاوز 6.7% سنوياً.

أين المشكلة؟ هنا، تتعدد الآراء، وتتنوع بحسب مصالح مطلقيها والجهات التي يعملون لها. »ميبرا« تعتقد أن الخطر الرئيسي الذي يواجه الصناعة هو غياب الحرفية والمواهب. وهي، إذ تصوب سهام نقدها تجاه الشركات الصغيرة،

تعتقد أن هذه الشركات أساءت إلى مهنة العلاقات العامة من حيث كونها تتقاضى أجوراً زهيدة جدا لقاء الخدمات التي تقدمها، والتي تطبع عادة بقلة الحرفية، ما يؤدي إلى خفض معايير السوق، وبالتالي الخسارة الاقتصادية.

وقبل أن يقفل العام الماضي أبوابه، أعلنت »ميبرا«، التي تتخذ من دبي مركزاً لها وتضم 90 عضوا بين شركات وأفراد غالبيتهم في الإمارات، أنها بصدد إنشاء أكاديمية خاصة برفع كفاءة العاملين في مهنة العلاقات العامة، وذلك عبر تزويدهم بدروس »اون لاين« تمكنهم ومن الاستفادة من دون الاضطرار إلى مغادرة مكاتبهم وتحمل عناء الوقت وازدحام الطرقات.

ولقاء 382 دولارا لموظفي الشركات الأعضاء، و545 دولارا لموظفي الشركات من غير الأعضاء، بوسع »التلاميذ« أن يحصلوا على تدريب »أون لاين«، نظري وعملي وله علاقة بالمنطقة وظروفها، طوال 12 شهرا.

إلا أن خطوة »ميبرا«، التي تهدف إلى رفع معايير الصناعة بهدف محاربة الوكالات الصغيرة التي تضم أقل من 10 موظفين ينقصهم الخبرة والدراية.. تلك الخطوة لم تلاق الصدى الايجابي عند شركات العلاقات العامة كافة، وتحديد الصغير منها أو غير المنضوي تحت مظلة الجمعية.

ووجه رؤساء الشركات الصغيرة انتقادات علنية إلى كبرى شركات العلاقات العامة العاملة في دبي والمنطقة، واتهموها بمحاولة الهيمنة على السوق ومنع »المنافسين الجدد«. واعتبر جونسان وولش، المدير العام لشركة »دبليو بي آر« إن من »مصلحة الشركات الصغيرة أن تندمج فيما بينها،

لكن على صعيد آخر هناك ازدواجية معايير في خطاب الشركات الكبيرة التي تنتقدنا وفي الوقت ذاته تسعى إلى افتتاح مزيد من البوتيكات«، في إشارة إلى قيام شركات معروفة بافتتاح فروع أخرى لها على هبئة شركات مستقلة كي تتمكن من كسب مزيد من العملاء المتنافسين غالبا.

فعلى سبيل المثال، كي تتمكن شركة علاقات عامة من كسب شركة »سامسونج« وغريمتها »ال جي« في الوقا ذاته، تعمد إلى إنشاء شركة أخرى رديفة للشركة الأساسية، لا يتعدى عدد موظفيها الأربعة، وتستدرج »الي جي« من دون إغضاب »سامسونج«.

وهنا يطرح السؤال عن جدية انتقاد الشركات الكبيرة لنظام الوكالات التي تعمل بأقل من 10 موظفين، إذا كانت هي تتبع ذات النظام، بطريقة أو بأخرى!

من جهته، يعتقد مايك واليس، المدير العام لشركة واليس لاستشارات التسويق أن »ما نحتاج إليه في هذه الصناعة بحق هو التعليم الأساسي الذي ينطلق من الجامعات والمعاهد،

التي تؤهل موظف العلاقات العامة لكي يكون واثقا من قدراته بمجرد دخوله إلى سوق العمل، وليس أنظمة التدريب التي تقترحها ميبرا«. ويعتبر واليس، الذي لم تنضم شركته إلى »ميبرا«، أن خطاب الشركات الكبيرة أصبح يتصف »بالتعالي«.