انه متسوق يسأل كثيرا. يبدو مهتما بمعرفة أدق التفاصيل. يستفز في مرات، ويرضخ في مرات أخرى. في غالب الأحيان، وبعد مضي أكثر من نصف ساعة في نقاش مع البائع في السوبرماركت، يخرج من المتجر من دون أن يشتري شيئا. هل يذهب إلى البيت؟ ربما،
لكن قبل ذلك، عليه أن يتوقف عند أقرب طاولة، يخرج قلمه ودفترا صغيرا، ويشرع بتدوين ملاحظاته حول الأسلوب الذي اتبعه مع البائع، وعما إذا كان »لطيفا« أو»قليل الذوق«، يخدم سمعة الشركة أم يسيء إليها.
انه ليس متسوقا عاديا.. بل متسوق »مزيف« و»مخبر«، أجرته إحدى الوكالات التي تهتم باستشارات التسويق، لصالح الشركة صاحبة المتجر. »المتسوقون المزيفون«، أو »المتسوقون المخبرون« بلفظ آخر، هي آخر صيحة في مجال التسويق، تحتضنها دبي في الأيام القليلة المقبلة،
فعلى الباعة، ومقدمي الخدمات في كل مكان اتباع الحذر من الآن فصاعدا وعدم الاستسهال بمعايير خدمة المستهلك التي يتخوف تدهورها في ظل اشتداد المنافسة والإقبال الكبير للمشترين على المنتجات والخدمات، بغض النظر عن الطريقة التي تقدم بها إليهم.
»غراس روتس« هي إحدى الشركات المتخصصة باستشارات التسويق، وتحديدا في مجال تدريب »المتسوقين المزيفين« وإرسالهم إلى متاجر التجزئة، ومراكز الصحة، والمطاعم، وفي كل مكان. أطلقت منذ أيام خدماتها في الشرق الأوسط، انطلاقا من دبي، وتسعى إلى نشر 500 »مخبر« في دولة الإمارات العربية المتحدة و15 ألفا في المملكة العربية السعودية.
يقول مارك سبايسر، المدير العام في الشرق الأوسط، إن »الكثير من الشركات تدرك أن لديها الكثير من المشاكل التي تتعلق بمستوى خدمات المستهلك، إلا أن القليل منها فقط يعرف ما هي الحلول التي بوسعه أن يتبعها للسيطرة على تلك المشاكل«.
ونتيجة القوة الشرائية الكبيرة التي يتمتع بها المستهلك في المنطقة، وفي دبي تحديدا، فإن شركات كثيرة قد راهنت على بريق علاماتها التجارية، والإقبال التلقائي للمستهلك على شراء منتجاتها أو التزود بخدماتها، من دون أن تلتفت، في غالب الأحيان، إلى الطريقة التي يتبعها الباعة في علاقتهم بالمستهلك. لكن، هل يكفي بريق العلامة التجارية وحده، وطوال الوقت؟
يقول سبايسر: »العلامات التجارية هامة، ولكن إن كان هناك خلل في طريقة إيصال رسالة العلامة التجارية إلى المستهلك، في نقاط الاحتكاك بتلك العلامة، فإن هذا يؤثر عليها سلبيا، والأمثلة معروفة عن شركات كبيرة جدا، وذات علامات شهيرة، انهارت بسبب تكوم الأخطاء الصغيرة التي تتعلق بخدمة العملاء، والتي كبرت مثل كرة الثلج وأدت إلى انهيار الشركة«.
وبالرغم من الأداء التجاري العالي لقطاع البنوك في الدولة، وجودة وابتكارية الخدمات التي يقدمها، فإن خبراء التسويق يعتقدون أن هذا القطاع تحديدا هو أكثر القطاعات المرشحة لاجتذاب »المخبرين«، ويقول سبايسي: »أعتقد أن البنوك لديها المشاكل الأكبر في مجال خدمات المستهلك، وغالبها يطمع إلى التغيير«.
وينظر أصحاب شركات إلى أسلوب تقصي ردود أفعال المستهلك عن طريق »المتسوق المزيف« بايجابية كبيرة، ويعتقد بعضهم أن تعامله مع هؤلاء يعطيه المزيد من المصداقية أمام المستهلك، وهو بمثابة دعاية ايجابية، وطريقة تميز الشركة عن المنافسين الآخرين.
يقول في ناداكومار مدير الترويج والإعلانات في متاجر التجزئة »لولو سوبرماركت«: »هناك الكثير من اللاعبين الجدد في السوق، وعلينا أن نبحث عن وسائل لكي نتميز بها، وتأجير المتسوقين السريين قد تكون إحداها«.
إنهم في الأسواق، في كل مكان، لا تستطيع التعرف عليهم بسهولة، لا يرتدون معطفا ونظارة كما المحقق الشهير »شارلوك هولمز«، لن تعرفهم ولن تخدعهم فحذار الاستهانة.. بخدمة العملاء!