تتمتع الإمارات بواحد من أفضل الاقتصادات أداء في المنطقة. وجعلت هذه الحقيقة الاستثمارات الأجنبية تتابع عن قرب الاقتصاد الإماراتي حتى تتعرف على فرص الاستثمار المحتملة. وفي إطار سعيها لمتابعة كيف ينظر المستثمرون الأجانب إلى بيئة الاستثمار في الإمارات، حملت النشرة الاقتصادية لغرفة تجار وصناعة دبي تقرير لبنك دي زد (DZ ) العالمي نشره بتاريخ 2 نوفمبر 2006.

ويتوقف التقرير بصفة خاصة عند ما يراه مهمة تحديات تواجه اقتصاد الإمارات. وأبرز هذه التحديات كما يرصدها التقرير ما يلي:

المنافسة على المركز المالي الرائد إقليميا: هنالك توجه عقلاني واضح نحو إقامة سوق مالية متقدمة في منطقة الخليج نظرا إلى الكمية المعتبرة من الأموال التي نقلت إلى المنطقة خلال السنوات الأخيرة، خاصة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. تماشيا مع هذه الحقيقة، هنالك عدة مناطق جذب تتنافس لتصبح مراكز تجارية في المنطقة بجانب الإمارات. هذه المناطق هي البحرين، الكويت وقطر. اتبعت كل هذه الدول الخليجية نفس المسار في وضع مشاريع متشابهة.

الشيء الملفت للنظر، أنه من المتوقع أن لا تستمر كل مراكز الجذب المالية هذه باعتبار أن المنطقة ليست كبيرة بما يكفي لدعم وجودها كلها في وقت واحد. لذلك، تواجه الإمارات تحديا مستمرا في ضمان دورها الريادي وتواجه بقاءها لفترة طويلة. بالنظر إلى أن اقتصاد الإمارات لا يزال يتمتع بمؤشرات اقتصادية سليمة وقوية، من المتوقع أن تحافظ الإمارات على دورها كمركز مالي رائد في المنطقة.

عدم التناسق الديموغرافي: يتضح عدم التناسق الديموغرافي في العدد المحدود من مواطني الإمارات (يمثلون 20% من إجمالي السكان) مقارنة بالمقيمين الذين يمثلون الغالبية المتبقية. ومع ذلك، فإن تدفق الأجانب قد تباطأ مؤخرا بسبب الضغوط التضخمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم الأجانب لديهم وظائف حيث يدخلون الدولة بعقود عمل في حين يوجد مستوى ملحوظ من البطالة بين مواطني الإمارات ـ على الرغم من إنجازاتهم التعليمية خلال العقود الماضية.

لا يتسبب عدم التناسق المذكور أعلاه في أي مشاكل واضحة في الوقت الحاضر، على الرغم من أنه قد يؤدي إلى تأثير سلبي وقد يظهر ذلك في المستقبل باعتباره مجالا محتملا لحدوث مشاكل. ومع ذلك، يبدو أن خطة التوطين التي تنفذها حكومة الإمارات والتي تهدف إلى التطوير المستمر لمهارات مواطني الدولة، تحقق نجاحا إزاء تحسين عدم التناسق الديموغرافي.

- الضغوط التضخمية: من المتوقع أن تواجه الإمارات (وخاصة دبي) مشكلة تضخم بمستوى متزايد في الأعوام المقبلة. على الرغم من النطاق الواسع لتقديرات التضخم (من 7% إلى 25% طبقا لمصادر رسمية وغير رسمية، على التوالي) هنالك اتفاق عام على أن التضخم في تصاعد. قد ينتج عن ذلك مجموع من المشاكل التي سوف يتوجب على حكومة الإمارات التعامل معها في الأعوام المقبلة.

ونتج عن افتقاد الكفاءة التجميعية للبيانات الاقتصادية عدم التأكد بشأن مستوى تغيرات الأسعار. نتيجة لذلك، يقوم كل قطاع اقتصادي بوضع تقديراته وتوقعاته الخاصة. ومع ذلك، بمجرد ما يصل تضخم الأسعار السنوي إلى مستوى مرتفع بما يكفي لإحداث تأثير على حركة القطاعات الاقتصادية، فإن نقص المعلومات والتشكك بشأن الأسعار قد يؤدي إلى حدوث خسارة محتملة على المستوى الاقتصادي الكلي.

على الرغم من حقيقة أن كل العوامل المذكورة سابقا قد تؤدي إلى ضغوط تضخمية قوية للغاية، ليس من المتوقع أن تكون هذه الضغوط مدمرة. كما وتشير طرق التعامل الماضية لحكومة الإمارات إلى أنه ستتخذ إجراءات مرنة فيما يتعلق بتغيير الإطار الذي تفسر فيه أدوات المعالجة.

على المدى المتوسط، خلال تغيير الإطار المؤسسي، قد تنتج عن الضغوط التضخمية تطورات سلبية. تماشيا مع هذا المحتوى، ظهر عاملان مؤثران رئيسيان بالفعل. العامل الأول هو أن تكلفة المعيشة بالنسبة لقوى العمل الوافدة قد ارتفعت بشكل ملحوظ، الأمر الذي يقلل من جاذبية الإمارات كسوق جاذبة للعمالة. ثانيا، تزامن ارتفاع التضخم مع سعر الصرف الثابت يعادل الرفع الحقيقي للعملة. لذلك فإن ارتفاع التضخم يعني أنه حتى لو كان نمو الإنتاجية بارزا، فإنه يتوقع انخفاض تنافسية الاقتصاد الإماراتي في الاقتصاد العالمي.

كذلك، بما أن التضخم والإنتاجية يؤثران على قطاعات مختلفة بدرجات متفاوتة، فإنه من المتوقع أن تشهد بعض القطاعات تضررا أكثر من غيرها في هذا السياق. ومع ذلك، فإن المتابعة عن قرب لأداء الاقتصادي الإماراتي من قبل الحكومة إلي جانب التطوير الجاري للقوانين والتشريعات المحلية (مثال: قانون المنافسة) سوف يساعد في منع حدوث أي أضرار خطيرة في أي من القطاعات الاقتصادية في الإمارات.

قابلية استمرار الصناعة: كما هو معروف مع الاقتصاديات الناشئة، فإن إقامة قاعدة صناعية قوية يتطلب أربعة عوامل رئيسية: (أ) إطار بنية تحتية مناسبة (ب) قاعدة رأس مال بشري يتمتع بقدرة على الابتكار (ج) سهولة الدخول القانوني والمادي للأسواق (د) تطوير ملائم لسعر الصرف. يبدو أن حكومة الإمارات تبلي بلاء حسنا فيما يتعلق بالنقطة الأولى (جانب البنى التحتية) وذلك من خلال الاستثمار بمبالغ ضخمة في إقامة الإطار الذي يمكن من خلاله بناء قطاعات صناعية.

ولسوء الحظ، يبدو أن العوامل الرئيسية الثلاثة الأخرى منقوصة. أولا، رأس المال البشري المحلي عدده محدود ولا يكفي بالنسبة لقطاع الصناعة، وفي الوقت الذي توجد فيه عدة مبادرات ـ الكثير منها جيد ـ لإقامة نظام تعليمي لخلق قوى عمل محلية، إلا أنه من غير المتوقع رؤية تأثير هذه المبادرات خلال المستقبل القريب. لذلك، فإن استبدال رأس المال البشري المحلي برأس المال البشري الأجنبي قد يكون خيارا مناسبا في هذه الحالة. ثانيا، على الرغم من جهود الحكومة للدخول في اتفاقيات التجارة الحرة مع العديد من الأسواق الصناعية الرئيسية والتي إما تبدو ناجحة أو مبشرة بالنمو، من الصعب معرفة كيف يمكن خلق ميزة سعرية تستطيع تعويض الحقيقة القائلة بأن الإمارات ليست قريبة جغرافيا لشرق آسيا، غرب أوروبا أو أميركا الشمالية.

وعلي الرغم من أن هنالك بعض المحاولات لتعويض ذلك (مثلا، إقامة منشأة لتصنيع الطائرات وصيانتها)، لكن موطن الضعف هذا قد يكون بمثابة معوق رئيسي لمعظم القطاعات الثانوية في قطاع الصناعة.

ثالثا، ضرورة تطوير سعر صرف ملائم، قد يكون هذا أكثر العوائق أهمية بالنسبة لبناء قطاع صناعي ناجح في الاقتصاد الإماراتي نظرا إلى أن عملة الإمارات مربوطة بالدولار وحصة عوائد النفط والغاز في الاقتصاد لا تزال ملحوظة (بلغت مقدار الثلث في عام 2005). ومع ذلك، فإن حصة النفط والغاز قد ظلت في حالة تناقص في السنوات الأخيرة وتعتبر دبي الرائدة مقارنة مع بقية إمارات الدولة في هذا الشأن وذلك بفضل خطتها في تنوع اقتصادها مما سيساعد في الحد من الآثار السالبة التي قد تظهر من عائق سعر الصرف.

لا عوائق أمام التطور المستقبلي

لا تشكل أي من المشاكل الهيكلية المذكورة آنفاً والتي قد تواجه اقتصاد الإمارات أي عائق أمام التطور المستقبلي، على الرغم من أن كل العوامل المشار إليها تتطلب بعض الاستجابة في شكل سياسات. بالنظر إلى أداء السياسات الأخيرة للإمارات ـ مرونتها وقدرتها على التعلم من الدول الأخرى ـ من المتوقع أن يتم التعامل مع جميع هذه الأمور بنجاح.