ما زال أحد مسارح دمشق يشهد عرض المسرحية الكوميدية العراقية (هومسك) التي أخرجها الفنان سيروان علي ويقوم بتقديمها نخبة من فناني المسرح العراقي الذين ارتبط بعضهم فيما يطلق عليه «المسرح التجاري» الذي شاع في تسعينات العراق الماضية، وفي حقبة شديدة الوطأة أفرزت هذا النوع من الكوميديا التجارية التي لاقت رواجاً كبيراً بين شرائح مختلفة من المواطنين.

«هومسك» في بنائها الفني لم تخرج كثيراً عمّا شاع في تلك الأوقات من أعمال مسرحية، لكنها اختلفت في موضوعاتها وهي تتناول مشهداً فنياً حاضراً بيننا تكرس بعد الاحتلال الأميركي، وهو شيوع الفضائيات العراقية داخل الوطن وخارجه، تلك الفضائيات التي يديرها جهلة وذوو منافع شخصية ومنتحلو صفات فنية.

وجدوا في الانفلات العام مصدراً للتكسب على حساب المواقف الوطنية والأخلاقية والإنسانية، ليصلوا إلى تعمية المشاهد بأفكار ساذجة وسطحية لا تقوم على أسس معرفية ولا تستند إلى بناء فني قادر على أن يرتقي بالمشاهد إلى مسؤوليته في مرحلة الاحتلال الأجنبي، بل يكون الحال قائماً على الغش والتدليس والنصب والاحتيال وتمرير الأفكار المخربة في مجتمع ينوء بكل ما هو ثقيل وقاس؛ ويساهم في ذلك أغراب ومتعاربون متملقون يزيدون من تفتيت وحدة الصف الوطني.

هذه الفكرة العامة ما كان لها أن تتكون لولا الطرْق على باب الكوميديا من أوسع أبوابه وبأكثر من ثلاث ساعات تخللها الضحك الطويل، ذلك الضحك الذي يُمرّر كأسى وفجيعة على وطن تتناهبه المضحكات والمبكيات معاً في ازدواجية، هي سياسية في مقامها الأول وإن بدتْ اجتماعية ضاحكة، ومما ساعد على إذكاء روح النكتة المريرة وجود قامتين من قامات المسرح التجاري العراقي يتمثلان بالفنانين ماجد ياسين وناهي مهدي اللذين استكملا صورة الهرج والمرج بالنكات اللاذعة والخروج عن النص .

واستحضار القفشات الآنية وتمرير الكثير من الصور ذات الطابع الساخر الذي يجد تجاوباً مع جالية عراقية كبيرة غطت وما تزال مسرح العرض بطريقة نستطيع أن نستحضر بها سنوات الحصار الطويلة التي أوجدت هذا المسرح السريع في انتشاره وهو يضيء بقعاً داكنة من الحياة اليومية.

«هومسك» لقطة واحدة من حياة محتدمة بالتناقضات وهي تفرز هجرة جماعية إلى المنافي الجديدة، لتعود بها أخيراً إلى أرض الوطن؛ بعدما كانت الحلول التي وضعتها المسرحية غير عملية، فالعودة إلى الوطن والمشاركة في بنائه وتخطي الأخطاء الكبيرة والفردية في التصرفات، ليست هي الحل الأخير. فالعراقي يصاب بـ «الهومسك» إذا ابتعد عن منبته، والمغريات الكبيرة التي توضع أمامه وهو يبتعد عن تاريخه الشخصي وتاريخه العام ليست كافية لأن تسلخه عن واقعه مهما كان الواقع مأساوياً.

النهاية الأخلاقية التي أتت عليها المسرحية طبيعية في التنبيه إلى مغريات الهجرة الجماعية وعزوف المواطنين عن المشاركة في البناء، لاسيما النخبة من المواطنين، وهنا خصّت المسرحية العاملين في الفضائيات العراقية التي تبث من خارج العراق و(النوع) الفني المسطح الذي يتعامل وفق الكسب السريع متناسياً مأساة وطن وملايين المواطنين الذين تتنازعهم متناقضات صارمة في الحال السياسية العامة.

فنياً لا يمكن التعويل على هذا النوع من المسرح الذي يقوم أساساً على فن الإضحاك والسخرية وانتزاع الفكاهة بأية طريقة حتى لو كان في الإسفاف(!) والمخرج سيروان الذي عُرف عنه جديته في أعمال سابقة، رضخ أخيراً في تقديم مسرح سريع يقوم على تلك المواصفات والطبخات الجاهزة التي تصل إلى جمهور مختلف في مصادره المعرفية ووعيه الفني والاجتماعي.

دمشق ـ وارد بدر السالم