بعد تكرار جدولة مواعيد عقد اتفاقية التجارة الحرة بين الدول الخليجية والاتحاد الأوروبي عدة مرات عام 2006، دخل الجانبان عام 2007 بمواعيد جديدة ولكن ايضا غير مؤكدة، مما يعني أن هذه المفاوضات المستمرة منذ عام 1988 دخلت عامها العشرين دون بوادر نهائية على اختتامها، طالب عدد من الخبراء مشاركة أكبر للقطاع الخاص في الاتفاقية خلال المرحلة المقبلة خصوصا أن دخولها حيز النفاذ يعني أن المسؤولية الرئيسية سوف تنتقل من الحكومات إلى القطاع الخاص.
ويطالب هؤلاء الخبراء أن تشهد المرحلة المقبلة تحركات سريعة ومكثفة لوجود مؤسسات تنسيقية بين القطاع الخاص الخليجي تراجع بالتفصيل تأثيرات بنود الاتفاقية عليه سلبا وإيجابا ومن ثم تهيئة هذا القطاع لتحقيق الاستفادة القصوى مما توفره الاتفاقية من فرص للنفاذ ودخول الأسواق وتحرير الخدمات.
وقد ذكر خلال الأسابيع الماضية أن دول الاتحاد الأوروبي وافقت على طلبات دول الخليج بإلغاء الرسوم الجمركية على الألمنيوم والبتروكيماويات اعتبارا من اليوم الأول لتطبيق الاتفاقية، في المقابل يطالب الأوروبيون بفتح جميع القطاعات الاقتصادية بدول المجلس،
ومعاملة الشركات الأوروبية نفس معاملة الشركات الوطنية الخليجية• وفيما يخص القضايا الخلافية المتبقية قال مسؤولون خليجيون أنها تتعلق أساسا بقواعد المنشأ، والعروض المقدمة لتحرير تجارة الخدمات، بالإضافة إلى بعض النقاط المتعلقة بالمشتريات الحكومية والاستثمار،
ومن المتوقع حلها على المستوى الفني• كما ذكرت ان دول الاتحاد الاوروبي حريصة على تضمين قائمة الخدمات المحررة أسماء لقطاعات خدمية تفوق تلك التي التزمت دول الخليج الخمس الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بتحريرها.
كما سبق لدول الاتحاد الاوروبي أن أصرت في مراحل سابقة من المفاوضات على تحرير كامل للخدمات، وهو ما لم تقبله دول الخليج التي أصرت على وضع قائمة »ايجابية«بالخدمات المراد تحريرها.
وفي حين تؤكد مصادر مطلعة ان تحرير تجارة الخدمات بين دول الخليج والاتحاد الاوربي لن يكون بشكل مطلق عند بداية تطبيق الاتفاقية حيث سيتم وضع قائمة موحدة للسلع المراد تحريرها على أن يتم توسيع هذه القائمة في مراحل لاحقة، في حين أن النص الاولي للاتفاقية والذي صاغه الجانب الاوروبي ينص على تحرير قطاع تجارة الخدمات والدخول الحر للأسواق.
أما الموضوع الآخر الذي ستناقشه الجولة الجديدة هو موضوع التسعير المزدوج لسوائل الغاز الطبيعي، وهو العقبة المتبقية أمام الاتفاق في قطاع البتروكيماويات المدرج في مفاوضات تجارة السلع.
وكان الجانبان قد اتفقا على مناقشة التسعير المزدوج لسوائل الغاز بشكل مباشر بين دول الاتحاد الأوروبي والسعودية بعد أن كان هذا الموضوع مثار تحفظ من قبل الجانب الأوروبي الذي يرى أن بيع السعودية للغاز المسال في سوقها المحلي بسعر تفضيلي يعطي شركات البتروكيماويات السعودية ميزات تنافسية عند تصدير منتجاتها للخارج.
كما يبقى الموضوع المهم الآخر هو تحرير المشتريات الحكومية، مما يعني ان دول الاتحاد الاوروبي ترغب في معاملة تفضيلية تتجاوز الامتيازات التي تمنحها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية لأعضائها. ومن المعلوم ان المنظمة لا تلزم دولها الأعضاء بتحرير قطاع المشتريات الحكومية.
وتبدي دول مجلس التعاون الخليجي الكثير من التحفظات على هذا الموضوع نظرا لارتباطاته بحماية الصناعة الوطنية حيث يعتبر التفضيل في المشتريات الحكومية للمنتج الوطني أحد أساليب هذه الحماية.
وترسخ اتفاقية منطقة التجارة الحرة الخليجية ـ الاوروبية في كافة فصولها وبنودها عنصر الشراكة وضرورة التباحث والتشاور في كافة الامور مثل توحيد الإجراءات ومتابعة التطبيق للاتفاقية.
وتشير بنود الاتفاقية الى ضرورة تأسيس عدة لجان متخصصة للقيام بمهام مختلفة، بينها الإشراف على تطبيق بعض جوانب الاتفاقية، وأخرى للتشاور والتنسيق، وأخرى لفض المنازعات، بينها لجنة مشتركة اوروبية ـ خليجية للتعاون الجمركي ولجنة اخرى خاصة للمشتريات الحكومية.
ويبدو واضحا من المواضيع المثارة أعلاه أن أمام اتفاقية التجارة الحرة بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي شوطا لا بد أن تقطعه، على الرغم من التكهنات السابقة التي أشارت الى أن قيام الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقيات ثنائية للتجارة الحرة مع عدد من دول المنطقة قد يدفع الأوروبيين بالتسريع بعقد اتفاقيتهم مع دول المجلس.
الا أنه يبدو واضحا اليوم أن الأوروبيين وانطلاقا من إدراكهم بضخامة المصالح الاقتصادية المشتركة والمتشابكة بينهم وبين دول المجلس، باتوا يسعون الى تحقيق أقصى المطالب الممكنة من خلال مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع الجانب الخليجي، كما أنهم يسعون الى ترتيب هذه العلاقات بما يؤمن مصالحهم،
أو على الأقل يحميها حتى في حالة قيام دول المجلس فرادى بتوقيع اتفاقيات ثنائية لللتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، او التوسع الراهن لدول مجلس مجتمعة ومنفردة بالتوقيع على اتفاقيات للتجارة الحرة مع عدد من الدول العربية والآسيوية.
وبغض النظر عن هذه الاعتبارات، وما تحاول دول الاتحاد الأوروبي تحقيقه، يقول الخبراء الاقتصاديون أنه لن يكون مجحفا القول أن خارطة العلاقات الاقتصادية الراهنة بين دول المجلس والاتحاد الاوروبي تعتبر نموذجا للاختلالات الموجودة في علاقات دول المجلس مع بقية التكتلات العالمية.
فعلى الصعيد التجاري، تعتبر دول التعاون هي الشريك التجاري الرئيسي الوحيد مع الاتحاد الأوروبي الذي يوفر فائضا تجاريا ثابتا.. حيث بلغ حجم التجارة بين الجانبين 52 مليار ايكو (العملة الاوروبية) في عام 2005
وبلغت صادرات الاتحاد الاوروبي لدول مجلس التعاون 39 مليار ايكو فيما بلغ الميزان التجاري لصالح اوروبا 13 مليار ايكو ويشكل البترول 70% من نسبة واردات الاتحاد الاوروبي من دول مجلس التعاون الخليجي.
ومما يزيد من اهمية دول الخليج كمصدر للنفط بالنسبة لاوروبا هو ان النفط ما زال يمثل اهم مكونات استهلاك دول الاتحاد الاوروبي من الطاقة وهي 45%0 كما ان موضوع تنمية الاستثمارات المشتركة والمتبادلة يكتسب اهمية كبيرة، حيث يعتبر الاتحاد الاوروبي ثاني اهم مستثمر اجنبي في دول مجلس التعاون قبل اليابان وفي المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة.
ومع ذلك فان حجم الاستثمارات الاوروبية في الخليج لا تمثل سوى واحد في المائة فقط من الاستثمارات الاوروبية الدولية المباشرة 0 بالتالي فان المطلوب اتخاذ خطوات هامة لاستقطاب وتنمية المزيد من الاستثمارات الاوروبية في المنطقة، ولا سيما تلك المصاحبة لنقل التكنولوجيا.
حسن العالي – المنامة
