يفتتن الممثل والمخرج الأسترالي ميل غيبسون بالتاريخ القديم وأحداثه، في سبيل إعادة إنتاجه بحيثيات تحمل حرفية ما وقع، ثم يسقطها إيحائياً ورمزياً على الزمن الحالي، بما يشي برحلة طويلة يقطعها هذا السينمائي لينفذ إلى قولية المعنى من مشاريعه كلها، التي لم تبرهن حتى الآن عن قدرة إخراجية فذة، بمعنى الفن الذي تتكامل فيه شروط الإبداع.
لكن هذا لا يلغي مهنية غيبسون كممثل متوسط الحال، وأقرب إلى الجيد في سلسلتي «ماد ماكس» و « ليتل ويبون»، وكمخرج يتمتع بميكانيكية اتكأ فيها على حرفيين في الأفلام الثلاثة التي أخرجها على التوالي: « قلب شجاع» 1995، «آلام المسيح»2004، «ابوكاليبتو» 2006، مع العلم ان غيبسون قام بإخراج أول أفلامه في العام1993 تحت عنوان «رجل بلا وجه».
« قلب شجاع».. سيناريو متين وقصة التحرر والثورة التي قادها الثائر وليم والاس الاسكتلندي ضد الهيمنة الانجليزية على بلاده. بالطبع أضفي على القصة أبعاد درامية مؤثرة، خففت من حدة مشاهد العنف الكثيرة والضخمة، في الشريط الذي كاد أن يكون مشاهد استعراضية لسيلان الدماء والقتل بأساليب وحشية بدائية ومفزعة، زاغ عنها الرائي قليلاً في مشاهد «المجاميع» في المعارك التي حركها غيبسون باستخدام ثلاث كاميرات تتعاكس لقطاتها، باقتباس عن سيد هذا الاتجاه في الإخراج الياباني أكيرا كوروساوا الرائد أيضاً في تحريك المجاميع.
بالطبع هذا لوحده لم ينجح « قلب شجاع» الذي اشتركت عناصر عدة في إنجاحه تجارياً وثقافياً، لكن النظر إليه اليوم يختلف عما سبق، خصوصاً بعد فيلم «آلام المسيح» المليء بعنف مجاني، ولا يشي سوى بحفلة تعذيب نفسي لمشاهده الجسد المعذب. وكان الأحرى أن يسمى الفيلم بالسوط بدل اسمه، كونه بطل الفيلم الحقيقي.
ولم يفهم حتى اليوم معنى العمل إن كان فنياً أو غيره، و ماذا أراد غيبسون أن يقول في هذا الشريط؟
وهل هي «كاثوليكيته» المفرطة التي دفعته بهذا المنحى المتضاد أصلاً مع روحية الرسالة المسيحية القائمة عل التسامح بجوهرها؟
وكيف يمكنه أن يغفل عن مخزون التشكيل المرسوم البصري، في لوحات وعلى جدران الكنائس في مدن أوروبا، وفي الكاتدرائيات وفي مدينة الفاتيكان ذاتها عن حادثة الصلب المزعوم، إضافة إلى «ايقونات» القرنين الماضيين التي صورت معنى الحادث لا شكله الخارجي؟
هذا ما سمي لاحقاً بقوة الجمال، المقولة التي استخدمها الفيلسوف الألماني نيتشه بتعريفه الجمال والقوة كوجهين لبعضهما.
«أبوكاليبتو» العمل الجديد للمخرج ميل غيبسون حول اندثار حضارة « المايا» بعد حضور الاستعمار الأوروبي إلى القارة الجديدة المكتشفة، لا يبتعد كثيرا عن مناخ الفيلمين السابقين، فهو يسعى إلى مقولته بمشاهد العنف والدماء ذاتها، والتي تبلغ أحياناً ذروة تفوق الاحتمال، وكأن الأفلام الثلاثة المذكورة سلسلة لقصة واحدة، ليست سوى مشاركة القاتلين بأفعالهم والضحايا باستغاثاتهم القوية بصراخها، ولا تقول شيئاً، في أعمال مليئة بالدماء الموصوفة طاهرة، والعاجزة عن تطهير الصورة السينمائية المفقودة في أعمال غيبسون التائه بين الواقع والتاريخ، وبين الفن وما يشبهه من دون الوصول إليه. . هذه سينما عاجزة غبارها وحده الكثيف.
دبي ـ حسين قطايا
