يرى خبراء اقتصاديون في أميركا ان القضية التي ستشغل البال وتثير الجدال خلال العام الجاري، هي أجور الأميركيين، وهل سوف يستمر هذا الارتفاع في العام الجديد أم لا.

فقد ارتفعت أجور الأميركيين خلال العام الماضي بفضل التحسن البسيط في سوق العمالة، وانخفاض التضخم نسبياً بفضل تراجع الارتفاع في أسعار البترول. ونتيجة ذلك ان متوسط أجر العامل العادي في أميركا، الذي يشكل 80% من قوة العمل، ارتفع بنسبة 2% خلال 2006.

ولم يرتفع متوسط الأجر بهذه النسبة الا مرة واحدة خلال العقود الثلاثة الماضية، خلال طفرة التسعينات، والحقيقة ان العام الماضي، لأول مرة في القرن الواحد والعشرين، انتهى والأميركيون في حال أفضل اقتصاديا من بدايته.

وارتفاع الأجور يسبب في أميركا حراكاً وجدلاً سياسياً، فضلاً عن تحسن مستوى معيشة الشعب الأميركي، وعندما يسيطر الديمقراطيون رسمياً على الكونجرس سيفعلون ذلك على خلفية اعتقاد راسخ بان الجدل الاقتصادي ساهم في نصرهم،

وهم على حق في ذلك لأنه خلال السنوات الخمس الماضية كانت الأجور لا تلائم مستوى التضخم، وكانت الديون في ارتفاع ويزداد عدد الذين لا تغطيهم التأمينات الصحية، وقال 30% فقط من الذين أدلوا بأصواتهم أنهم يتوقعون حياة أفضل للجيل المقبل من الجيل الحالي.

غير ان الأجور الحقيقية هي أفضل مؤشر على رأي الناس طوال العقود الثلاثة الماضية، فعندما تنخفض الأجور كما حدث في 1980 و1992، توالت زلازل سياسية، وعندما ترتفع الأجور تختفي المخاوف التي كانت تبدو مستديمة.

وقبل أن ترتفع الأجور في الخريف الماضي كانت البلاد على شفا جدل خطير حول تزايد الظلم الاقتصادي والاجتماعي، وبرغم النمو الاقتصادي المستقر الذي بدأ منذ 2001، لم تستفد معظم العائلات من هذا النمو. وحتى متوسط ارتفاع أجور خريجي الجامعات لم يكن في مستوى ارتفاع معدل التضخم.

وكتبت جيم وي عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن فرجينيا في صحيفة وول ستريت جورنال يقول ان عصر العولمة والتعهيد وتزايد العمالة السرية من المهاجرين غير الشرعيين جعل العامل الأميركي يتوقع مستقبلاً مظلماً.

وأساس الحملة الانتخابية الرئاسية للديمقراطيين في 2008 يقوم على نفس الجدل ويشبه ما حدث في البلاد في بداية ومنتصف التسعينات، وفي ذاك الوقت هاجم الناخبون كل رجالات السياسة النافذين في واشنطن خلال عامين من جورج بوش الأب (1992) حتى زعماء الكونجرس الديمقراطيين (1994).

وصورت مجلة النيوزويك بعد ذلك بعامين رؤساء الشركات على أنهم قتلة بسبب تسريح العمالة. وبعد ثلاثة أعوام فقط، أثبتت الاستطلاعات أعلى ارتفاع في تفاؤل الأميركيين على مدى التاريخ. وبدأت ثقة المستهلك ترتفع وبدأ الناس يقولون انهم قلقون بشأن المستقبل لكن لديهم شعور طيب بشأن الحاضر.

وحاول بعض خبراء الاقتصاد ورجال السياسة التقليل من أهمية الارتفاع الأخير في الأجور بالقول انه ليس إلا انعكاسا لانخفاض أسعار البترول غير ان هذا القول ليس دقيقاً. فالأجور الحقيقية في ارتفاع بمعدل جيد، وزادت بنسبة اكبر من 4% خلال العام الماضي، كما حدث في طفرة الثمانينات والتسعينات.

والمشكلة في الأشهر القليلة الماضية كانت ارتفاع معدل التضخم، والآن وبعد هدوء هذا الارتفاع (عاد إلى 2%) لابد ان يفيد النمو الحالي غالبية قوة العمل. ويقول ادوارد لازير كبير مستشاري الرئيس بوش للشؤون الاقتصادية ان ارتفاع نسبة التوظيف في الأشهر الأخيرة يفيد بأن ارتفاع الأجور سوف يستمر ويضيف انه ليس هناك أي سبب يدعو لتوقف ارتفاع الأجور.

ومن جانب آخر ليس هناك سبب للقلق، فالتراجع في سوق المنازل أدى إلى تراجع النمو الاقتصادي إلى مستويات خطرة، وتراجعت شحنات فيدكس بشكل كبير في الأشهر الماضية، وهو مؤشر اقتصادي مهم. ولا يبدو الأمر كما لو كانت البلاد اعتادت تسجيل نمو اقتصادي في السنوات الخمس الماضية من أجل ترتيب البيت الاقتصادي من الداخل.

وقال جاك ايد عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن رود أيلاند ان الجميع يأمل الا تكون هذه حلقة أخرى من الارتفاع المؤقت في الأجور لتعود بعدها للهبوط، لكنه قال انه لا يرى أميركا في الوضع الذي كانت فيه في منتصف التسعينات قبل الارتفاع الهائل في الأجور، وضمن ان ارتفاع الأجور سوف يستمر في 2007، مع ان الاقتصاد ليس على حافة فترة ذهبية مثل أواخر التسعينات في ظل مشكلة العراق ومشكلات أخرى.

وقد لا تكون هذه الظروف هي الأسوأ في التاريخ، فسوف تتيح ارتفاعاً في أجور العمالة، لكنها تذكرنا أيضا بأن التكنولوجيا والعولمة غيرتا بالفعل أصول اللعبة. والارتفاع في الأجور لن يكون عمومياً وسهلاً لكل العائلات

كما كان يحدث في السابق، مثل ما حدث في التسعينات من ارتفاع زاد حمى النمو الاقتصادي، لكن عام 2007 سوف يكون العام السادس على التوالي للنمو الاقتصادي الايجابي، وأول عام يشهد استمرار ارتفاع الأجور على مداره من البداية للنهاية.