برزت خلال السنوات الست الماضية العديد من المتغيرات الاقتصادية على المستوى العالمي لعل أبرزها على الإطلاق استعادة الدب الروسي ثقته بالنفس بفضل ارتفاع أسعار النفط، ناهيك عن أن اتساع رقعة نفوذ بكين المتزايد في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية،
يثبت أن الصين هي القوة العظمى الطامحة في عصرنا. فالصين الممسكة بعصا الفيتو في مجلس الأمن، أخذت تكتسب الحلفاء والأصدقاء، بفضل قوتها الاقتصادية المتنامية، غير أن نهمها الشرس للنفط والمعادن وغيرها من المصادر الطبيعية دفع بزعمائها إلى خطب وُد الدول الغنية بالمصادر في العالم النامي، وأقرب دليل على ذلك القمة غير المسبوقة في بكين الشهر الماضي التي دامت يومين بين قادة الصين وزعماء 48 بلداً إفريقياً.
ولم يتورع هو جينتاو الرئيس الصيني عن الوعد بتقديم 5 مليارات دولار على شكل قروض ميسّرة وائتمانية إلى إفريقيا والتحدث عن مضاعفة المساعدات الصينية إلى القارة بحدود 2009، كما تعهدت الشركات الصينية باستثمار 1.9 مليار دولار في سلسلة من المشاريع التي تغطي البنى التحتية والمواد الخام والتمويل.
ولقد بات القاصي والداني يعرف جيداً أن الدولة الصينية التي تجثم على تريليون دولار من احتياطي العملات الأجنبية لا تعدم الوسيلة للوفاء بتعهداتها إلى البلدان النامية، بالرغم من أن دخلها المتواضع بالنسبة للفرد يجعل منها متلقياً للمساعدة، بالإضافة إلى كونها مانحاً.
وما خفي كان أعظم، فالمؤسسات بما فيها الوزارات الحكومية ومصرف اكزيبانك تمتلك القدرة على تقديم المساعدة، فبنك التنمية الصيني على سبيل المثال، لا الحصر، يقول إنه أكبر مؤسسات التنمية من حيث الأصول.
وحتى وقت قريب كان البنك ينظر إلى الداخل مستثمراً بشكل واسع في مشاريع البنى التحتية الصينية، مثل سد »ثري جورجز« ولقد شرع الآن في استثمار بعض رأسماله في الخارج، وتحديداً في مساعدة شركات الطاقة والمعادن الصينية العاملة في البلدان النامية.
وفي معرض تعليقه على انخراط البنك في المشاريع الخارجية قال تشن يوان محافظ بنك التنمية الصيني إنه ينمو بسرعة فائقة، مشيراً إلى متابعته لأكبر اللاعبين في الصين. مضيفاً أن البلدان الغنية بالمصادر هي إحدى استهدافاته غير أن الزحف الصيني في الأسواق النامية لم يمر مرور الكرام،
فأول انتقاد جاء على خلفية تجارية، إذ يرى بعض الخبراء الاقتصاديين والمحللين الماليين أن الصين شأن اليابان في العقود الماضية، متعطشة للنفط، إلى الحد الذي راحت تبالغ فيه بولوج بوابة المصادر الطبيعية.
ولا ريب أن الشركات الصينية تخوض بحوراً من الرمال المتحركة باستثمارها في بلدان تفتقر للاستقرار كالسودان، على سبيل المثال، غير أن ذلك ينسحب على مجموعات الطاقة، أما السؤال حول المبالغة في الإسراف فجوابه سيكون في أسعار السلع فيما هو قادم من الزمن.
أما الشق الثاني، فإن الصين كانت موضع نقد لاذع لإقراضها السخي لبلدان ما زالت في طور الصحوة من الأفخاخ المالية للديون الكبيرة التي غاصت فيها، وتتخوف الحكومات الغربية والمؤسسات العالمية التي تقر بأنها كانت جزءاً من المشكلة الأصلية، من تخريب الصين لجهود سنوات من العمل، كُرِّست لحل أزمات الدين، وإيجاد أزمة جديدة.
وبالرغم من أن الحجة الرسمية الصينية تركز على المنح، والقروض الميسّرة فإن المانحين الغربيين يرون أن الصين تضيف ديوناً ثقيلة مكبلة على كاهل الدول الفقيرة تصعب هيكلتها، وترتب في بعض الأحيان سداد أقساطها بصورة مباشرة من عوائد النفط، تماشياً مع ممارسات تجارية أكثر من كونها نزعة مانحة.
وفي هذا السياق، وصف دبلوماسي غربي درس سياسة المساعدات الصينية بأنها تفتقر للشفافية، قائلاً إن أحداً لا يعرف حجم الأموال التي تقرضها الصين، أو ماهية الشروط المفروضة. أما الصين فتقول من جانبها إنها غير مسؤولة عن ممارسات الإقراض الرديئة التي قامت بها القوى العظمى إبان الحرب الباردة.
ولا يمكن إلزامها بالرضوخ لقواعد مؤسسات هي أصلاً مستثناة منها. ومضى الدبلوماسي الغربي قائلاً: إن هؤلاء يختارون بحساسيتهم المفرطة، ويتحسسون من دعوتهم لقبول إملاءات وتوجيهات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أو نادي باريس، من دون توجيه الدعوة إليهم للانخراط في عضويتهما.
أما ثالث الانتقادات وأبرزها، فهو أن الصين تقرض المال دون اعتبار للعواقب السياسية أو الاجتماعية أو البيئية، وبالتالي فإنها تقوِّض الجهود الغربية لتغيير سلوك الأطراف المستدينة بفرض إملاءاتها.
من جانبه، أعرب فيليب مايشتايت رئيس بنك الاستثمار الأوروبي الشهر الماضي عن استيائه من منافسة البنوك الصينية، ولاحظ أنها لا تلتزم بالشروط الاجتماعية أو حقوق الإنسان في دعمها لمساعي بكين الهادفة إلى مد جسور امتيازية إلى مصادر إفريقيا.
وفي مؤشر على هشاشة الموقف الأوروبي، ووقوفه موقف العاجز في التأثير على الصين، اقترح مايشتايت على المقرضين متعددي الجنسية تخفيف شروطهم. ومن جانبهم، فإن المسؤولين الصينيين يحاججون بأن شركاتهم قادرة على تنفيذ مشاريع البنى الأساسية الجبارة التي تحتاجها إفريقيا بأسعار تقل عن نصف منافساتها الأوروبية وكالعادة في سرعات متناهية.
والأدهى من ذلك كله، فإنهم يستشهدون بالصين كمثال ساطع، على أن دولة فقيرة بتركيزها على التنمية الاقتصادية الفعالة قادرة على التحول إلى دولة غنية، من دون تشتيتات الديمقراطية، وبالنسبة لكثير من زعماء إفريقيا وأميركا اللاتينية فإنها حجج أكثر من مقنعة.