الثورة التلفزيونية العراقية حالة تسترعي الانتباه والتوقف، فأكثر من أربعين محطة فضائية مرة واحدة أمرٌ يستدعي الشك ولا يستدعي التعجب! ومبعث الشك في هذه الوفرة الفضائية من القنوات ما نلمسه من تناحر وتباغض وتثوير للحس الطائفي بطريقة تفتقد الوطنية والإنسانية في الكثير من توجهات معظم هذه القنوات وما ترمي إليه من استراتيجيات مرحلية متأرجحة بتأرجح الحالة السياسية العراقية ومخاضها العسير.

وإذا كنا نعتقد أول الأمر أن انتشار هذه الفضائيات جاءت تفسيراً وتعبيراً عن حالة احتقان كبير عاشه العراقيون لأكثر من ثلاثة عقود، فإن واقع الحال الذي نراه يومياً من على هذه الفضائيات لا يشي إلا باحتقان من نوع آخر بعدما تكشفت كل أوراقها السرية وأهدافها العلنية في خلق نوع من التنابز والتحارب الطائفي والمذهبي والعرقي والإثني ومن ثم السياسي، لتشكل بمجموعها الإعلامي والتعددي فضائح طائفية بامتياز، فتزيد من نار الاحتراب الأهلي وتوقد فتنة نائمة لا عهد لأبناء الرافدين بها من قبل.

تكريس الخطاب الطائفي هو الأخطر في برامج هذه الفضائيات، والنزوع إلى التطرف المذهبي هو ناتج من نواتج ذلك الخطاب الضيق، والعزف على وتر (المظلومية) سابقاً ولاحقاً من سمات مرحلة هذه الفضائيات التي تريد أن تخلط على العراقيين أوراقاً قديمة بأوراق جديدة تكرست بعد الاحتلال، لذلك يمكن التأكيد وبعد هذه السنوات الأربع أن نسبة كبيرة من العراقيين عزفت عن مشاهدة هذا النوع من (الإرهاب الإعلامي) الذي يمارَس قسراً على المواطنين لأهداف باتت مكشوفة قد لا تعني بالنتيجة إلا أصحابها، فالناس تبحث عن أمانها وسلامها وقوتها.

ولا تبحث عن صراعات مرحلية يقودها ساسة مأجورون أو معممون دخلوا البيت العراقي السياسي من باب الدين.ومن المؤسف للعراقيين جميعاً أن يتعرفوا على أن هذه القناة (شيعية) وتلك (سنية) والأخرى(تكفيرية) وغيرها (كردية) و( تركمانية) و(آشورية) و(كلدانية) و(مسيحية) عدا القنوات (الحزبية) التي تمثل برامجها الحزبية.

والجميع يتساءلون : أين هي القناة (العراقية) التي تكون صوت الوطن وصوت الناس وصوت الحقيقة وصوت الحق ! ولماذا هذا التشظي وهذا التطرف وهذا (الانتماء) في أضيق صوره! ولماذا لا تكون تلك الفضائيات كلها (عراقية) بدلا من أن تكون ممثلة إلى نفسها وأفقها الصغير، بل تكون ممثلة في بعض الأحيان إلى دول إقليمية أو دول الجوار أو منها مَن تعكس سياسات الاحتلال وتجمّل وجوده وتبرئ ساحته إن اقتضى الأمر؟

المتابع لهذه القنوات يتلمس بيقين أن كثيراً منها أنشئ لأغراض طائفية تحت واجهات حزبية عاملة في الطيف السياسي العراقي، لكنها تفتقد إلى الوطنية وروح المواطنة، لأنها تفترض أن ثمة عدوّاً أمامها وعليها أن تكتسحه بأية طريقة ومهما كانت.

وبطبيعة الحال فإن (العدو) المفترض ليس الاحتلال الأميركي !! إنما هو عدو داخلي جاء مع الاحتلال أو انبثق من أرض الواقع بعد سقوط بغداد ! وهكذا يستهلكون الوقت ويشدّون من أعصاب الناس ويزرعون الفتنة، لتكبر يوماً بعد يوم وتحصد أرواح الأبرياء!

وهكذا تحول البعض منها إلى داعية لتخريب البلاد وفقدت أهدافها الإعلامية النزيهة وفقدت ثقتها بالمواطن الذي هو رأسمالها في نهاية الأمر..

وهذا هو الذي يدعونا نشك بهذه الوفرة الفضائية بدلا من أن نتعجب لنقول : مضى عهد القناة الواحدة وجاء عهد تعددية الفضائيات العراقية!

aridbader@yahoo.com