تمكنت العملة الأوروبية الموحدة خلال العام المنصرم من تسجيل مكسب سعري في مواجهة الدولار ذي رقمين، وشغلت مكانة العملة الرئيسية المرشحة للحلول محل الدولار في إطار خطط تنويع الاحتياطيات بعيدا عن العملة الأميركية، وتوسعت منطقة اليورو لتضم سلوفينيا العضو الثالث عشر، ويتزين آفاق اليورو بورود بيانات تعزز التوقعات بأن البنك المركزي الأوروبي سيجري رفعاً جديدا للفائدة خلال النصف الأول من العام الجديد، إلى جانب اتساع دائرة البنوك المركزية الرئيسية التي تخطط لتنويع احتياطياتها بعيدا عن الدولار عن طريق زيادة حصة اليورو، وتضافرت هذه العوامل مجتمعة في جعل بعض المحللين يتنبأون بأن اليورو سيكون العملة الرابحة في 2007.
وأنهى اليورو عام 2006 على ارتفاع في مواجهة الدولار، مسجلا مكسبا سعريا نسبته 4 ,11 %، فيما جنى مكسبا نسبته 12 % في مواجهة الين، و7 ,2 % في مواجه الفرنك الفرنسي. وعززت البيانات التوقعات القائلة بأن البنك المركزي الأوروبي سيقوم برفع أسعار الفائدة، حيث نما العرض النقدي ( إم 3 ) في شهر نوفمبر الماضي بنسبة 9 % مقابل نموه بنسبة 7 ,8 % في الشهر السابق عليه، ويشير المحللون إلى أن اختلافات أسعار الفائدة بين الاقتصاديات الرئيسية شكلت المحرك الرئيسي لأسعار صرف العملات، إذ حصلت العملة الأوربية على بعض الدعم من وصول الفائدة الأميركية إلى مستوى الذروة، بامتناع بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي عن إجراء المزيد من الزيادات في أسعار الفائدة. كما أن البيانات الاقتصادية اليابانية الصادرة مؤخرا قد أحبطت التوقعات القائلة بأن البنك المركزي الياباني ربما يقوم بإجراء رفع آخر للفائدة، وبالتالي، أضحت العملة الأوربية ـ بحسب بعض التقييمات ـ تتزين بأفاق قوية لاحتمال قيام البنك المركزي برفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية لتصل إلى 4 % خلال النصف الأول من العام الجديد، وهو الأمر الذي سيعزز قوة اليورو خلال النصف الأول من العام.
عملة احتياط دولية... وقاد الصعود الضخم في أسعار اليورو إلى دحض الانتقادات التي ألقت شكوكا على قدرة عملة اليورو على منافسة كل من الدولار الأميركي والجنيه الإسترليني والين الياباني، ولكن مازالت العملة الأوروبية تثير قلق بعض المستهلكين، بالرغم من مرور خمس سنوات على إطلاقها وطرحها للتداول في الأسواق. وعندما جرى طرح العملة الأوروبية للمرة الأولى، ثارت الشكوك بشأنها، وسادت المشاعر السلبية الأسواق بخصوص مستقبلها، ولكن على مدى ثلاث سنوات، تمكنت العملة الأوروبية من قلب الطاولة في وجه الدولار، حيث أحرزت التعادل معه في عام 2002، ثم اتجهت بعد ذلك إلى المزيد من القوة لنتجاوز مستوى التعادل، ولتحقق سعرا يفوق سعر صرف الدولار، وبالتالي صارت التقييمات السلبية بشأن العملة الأوروبية في حكم التاريخ، وبات ينظر إليها على إنها عملة قوية على المستوى العالمي.
ومع ذلك، مازال بعض المستهلكين ينظرون بقلق إلى عملة اليورو، مع إشارة ما يزيد على 41 % من الأوروبيين في منطقة اليورو إلى مواجهتهم مصاعب في استخدامهم لهذه العملة، وأنهم مازالوا يقيمون مشترواتهم الكبيرة بعملاتهم القديمة وذلك بحسب استقصاء الرأي الذي أجرته مؤسسة جالوب لقياسات الرأي العام لصالح الإتحاد الأوروبي. علاوة على ما سبق، لم يؤد إطلاق العملة الأوروبية الموحدة إلى سد الفجوة في النمو بين أوروبا التي ينموا اقتصادها بمعدل سنوي يتراوح بين 1 و 2%، والاقتصاديات الأكثر ديناميكية في آسيا وأميركا، بيد أن الشركات والحكومات تقوم الآن بتعبئة الأموال العابرة للحدود من دون مواجهة مخاطر تقلص قيمة ممتلكاتهم من الأسهم والسندات بفعل تقلبات أسعار الصرف، كما أن المسافرين لم يعودوا يواجهون مشاكل تبديد الوقت وخسارة الأموال عند إجرائهم عمليات التحويلات النقدية في المنافذ الحدودية والتي كانت تؤدي في بعض الأحيان إلى عودتهم إلى بلدانهم برزم من العملات الأجنبية غير قابلة للصرف.
ولقد جنى اليورو الذي طرح في الأسواق المالية للمرة الأولى في عام 1999 المزيد من القبول كعملة احتياط أجنبية بالنسبة للشركات والحكومات على حد سواء، وذلك على امتداد المعمورة من الصين إلى الشرق الأوسط.
ورغم أنه على مدار الوقت، ظهرت إمكانيات حقيقية لقيام العديد من الدول بتحويل قسما من احتياطياتها من العملة الأجنبية بعيدا عن الدولار إلى اليورو، إلا أن هذا الاتجاه صار أكثر قوة في الوقت الحالي، وبناء على تقديرات صندوق النقد الدولي، وقفت احتياطيات العملة الأجنبية على مستوي العالم خلال الربع الأول من عام 2006، عند مستوي 34 ,4 تريليونات دولار، استحوذ الدولار منها على حصة نسبتها 3 ,66 %، فيما استحوذت عملة اليورو على حصة نسبتها 8 ,24 %، تلتها عملة الين بنسبة 4 %، ثم الجنية الإسترليني بنسبة 4 ,3 %.
يضاف إلى ما سبق، إعلان عدد من البنوك المركزية الرئيسية خططا لتنويع احتياطياتها بعيدا عن الدولار، إذ أعلن البنك المركزي الصيني في نوفمبر الماضي أنه يدرس إمكانية تقلق حصة الدولار ضمن احتياطياته، وورد على لسان زوهو إكسياشوان محافظ البنك قوله أن بلادة تدرس الكثير من الأدوات لتنويع احتياطياتها من العملة الأجنبية، وعلى المنوال نفسه، قامت العديد من البنوك المركزية بإصدار بيانات مماثلة، حيث صدرت عن البنوك المركزية في كل من قطر والإمارات وروسيا خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات تنم عن اتجاهها لتنويع احتياطياتها من العملة الأجنبية بعيدا عن الدولار على المدى الطويل، وهو الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى متاعب بالنسبة للعملة الأميركية تقود إلى زعزعة موقعها المتفوق كعملة احتياط دولية، وما يزيد من حدة المتاعب، تفاقم عجز الميزان التجاري الأميركي.
وعلى هذه الأرضية، تظهر العملة الأوروبية الموحدة كمرشح رئيسي لزيادة حصتها ضمن احتياطيات النقد العالمية على حساب الدولار الأميركي، ولكن ما قد يكبح من اندفاع هذه الاتجاه - بحسب آراء بعض المحللين ـ هو معاناة الاقتصاد الأوروبي من ارتفاع مستويات البطالة وتدني معدلات النمو الاقتصادي، علاوة على العجز التنامي للميزان التجاري الأوروبي مع الصين لصالح الأخيرة والمرشح للمزيد من التنامي خلال السنوات المقبلة، وتتضافر هذه المشاكل معا في كبح اليورو عن اللحاق بالدولار كعملة احتياط رئيسية، وإثارة بعض الشكوك القوة النسبية لليورو في مواجهة الدولار على الأجل الطويل.
توسع منطقة اليورو
وقبل إسدال العام الجديد لأستاره تحولت سلوفينيا رسميا نحو استخدام عملة اليورو لتصبح رسميا العضو الثالث عشر في منطقة اليورو، ولتصبح الدولة الأولى المؤهلة لاستخدامها من بين الأعضاء الجدد الذين انضموا مؤخرا إلى الاتحاد الأوروبي، يضاف إلى ما سبق، حقيقة استخدام عدد من الدويلات والمقاطعات لعملة اليورو من دون تصديق المفوضية الأوروبية والتي تغطي أقاليم تمتد من شمال الأطلنطي إلى الباسيفيك، إذ أنه يجري تداول العملة الأوروبية في سان مارينو والجبل الأسود وموناكو وآندورا ومقاطعة كوسوفو.
حيث أن البنك المركزي الأوروبي لم يعارض الاستخدام الأحادي الجانب لعملة اليورو قبل الدويلات التي كانت تتبع تاريخيا الفرنك الفرنسي والمارك الألماني، وذلك على الرغم من صدور تلميحات من جانب مسؤولي المفوضية الأوروبية تشجع على استخدام اليورو كوسيلة لتحقيق هدف الاستقرار الاقتصادي والاستفادة من مزايا معدلات التضخم والفائدة المنخفضة.
دبي ـ «البيان»


