أشار رئيس غرفة تجارة وصناعة البحرين د. عصام فخرو في حديث مع «البيان» إلى ضرورة وجود تنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي تجاه خلق المراكز المالية الدولية الآخذة في الانتشار في دول المنطقة. وقال: «نحن نتمنى زيادة التنسيق بين دول مجلس التعاون في هذا المجال ومجالات اقتصادية أخرى، اذ يجب أن تكون هناك سياسة أكثر وضوحا». وعن المطلوب من الحكومة البحرينية سنّه لزيادة الجاذبية الاستثمارية ،قال إن أكثر الأمور إلحاحاً هو إيجاد تشريع لحماية الاستثمار فالقوانين الارتجالية قد تنفر المستثمر، وطالب بوضع إستراتيجية طويلة الأمد للشأن الاقتصادي. كما طالب بإعطاء المصرف المركزي المزيد من المرونة والاستقلالية. وطالب بتسريع الإصلاح الإداري وتطبيق المزيد من الشفافية في ما يتعلق بالمعاملات الحكومية.

ورداً على سؤال حول تراجع البحرين بعد أن عرفت خلال العقود الماضية بأنها مركز المال والتجارة في منطقة الخليج، قال :«المعطيات كلها تغيرت في البحرين وفي غير البحرين بسبب العولمة. في السابق كان هناك عائلات قليلة تستحوذ على جزء لا بأس به من الشأن الاقتصادي في البلد، لكن مصادر الدخل تنوعت وزادت مداخيل وميزانيات الدول وانفتحت على شقي دول العالم كأمر واقع وليس اختيارا. وهكذا فعندما نتحدث اليوم عن القطاع الخاص لا نتكلم عن العائلة الفلانية فحسب بل الحديث هو شركات ومؤسسات. قد يكون لهذه العائلات التجارية تواجد كبير فيها وأحيانا بطريقة غير مباشرة. وبلا مبالغة فالقطاع الخاص يستحوذ على مكانة مهمة جدا في صنع القرار الاقتصادي في البحرين، وحتى خارج البحرين، شاءت الحكومات أم أبت، فهذا حقيقة وأمر واقع، وباتت مشاركة القطاع الخاص في عجلة الاقتصاد حاجة ملحة». وأضاف: «القطاع العام حتى في دول العالم الغربية يدار على أسس غير ربحية وله حسبة واعتبارات ثانية غير المبادئ الاقتصادية، ولن تستمر هذه الإدارة. وما انهيار الاتحاد السوفييتي السابق إلا مثل على ذلك لأنه كان انهيارا اقتصاديا قبل أن يكون سياسيا.

وهكذا نرى أن مشاركة القطاع الخاص باتت جزءا من اقتصاد البلد، في كل الدول رغم أنها قد تختلف من بلد إلى آخر، لكنها في البحرين هي الأسرع في المنطقة. فالموارد متواضعة لذا انتهجت الحكومة سياسة إصلاحية صحيحة تتعلق بهيكلة الاقتصاد وعدم الاعتماد على النفط».

ومضى يقول :إن القطاع المالي يستحوذ على ما لا يقل عن 25% من الناتج المحلي الإجمالي في البحرين. وبالتالي عندما نتحدث عن الاقتصاد البحريني الآن مقارنة ب50 سنة ماضية يجب الأخذ بعين الاعتبار أن العوامل والمؤثرات اختلفت، فالإجراءات الحمائية التي كانت موجودة اختفت.

وتلاحظ أن التجارة العالمية البينية على مدى 50 سنة الماضية التي تلت الحرب العالمية الثانية تزداد سنويا بما يعاد 4 إلى 5% على حجم الصادرات والواردات لأنه مع الوقت يزداد الانفتاح التجاري من دولة إلى أخرى، مع إزالة الحواجز الجمركية والعوائق التي كانت في السابق.

وهكذا لا يمكن الحديث عن تاجر خليجي أو تاجر بحريني كما كان الوضع في السابق، فالآن يوجد اقتصاد ومؤسسات.. والتشكيل الاقتصادي المعتمد على العائلات التجارية وشاهبندر التجار أدى غرضه في وقته، أما الآن فهناك تشكيل مغاير يعتمد على دولة المؤسسات، والقطاع الخاص يمثل عنصرا فاعلا فيه سواء عن طريق المؤسسات التي تمثله أو عن طريق فرض الأمر الواقع وتواجد على الساحة.

وأضاف: «هناك تركيز أكبر على دور القطاع الخاص، وإذا كان لشركات البحرين أن تستمر وتقاوم وتنافس في ظل التوجه الاقتصادي الهادف إلى جذب الاستثمارات من الخارج، فيجب أن تكون أكثر تأهيلا. وموضوع الخصخصة موضوع هام جدا في اقتصادات الدول، وهو موضع هام جدت في مملكة البحرين بحكم تواضع الإيرادات، وهو ما يحتم الإسراع في العملية الإصلاحية وهيكلة الاقتصاد حتى نواجه ما نحن قادمين عليه في المستقبل».

وحول ما إذا كانت البحرين قادرة على الاضطلاع بدور التحول إلى مرفأ ماليا دوليا، رد فخرو قائلاً: «نعم قادرة، فالقطاع المصرفي والمالي البحريني له الريادة في المنطقة بسبب التشريعات والقوانين، فالبحرين سنت منذ وقت مبكر القوانين الجاذبة للاستثمارات والمؤسسات المالية وهي ماضية في هذا الطريق.

المستجدات على الساحة التي تؤكد أيضا على دور البحرين هو القطاع المالي الإسلامي، فهذا القطاع الاستثماري مقارنة بالقطاع التقليدي ينمو بشكل كبير لا يقل عن 15 في المائة سنويا. وهو لا يزال سوقا بكرا وفيه متسع».

ولخص الأسباب بالقول :«هناك سببان لذلك: الأول هو زيادة الواردات النفطية وما يترتب عليه زيادة السيولة النقدية. والثاني، عودة الرساميل التي كانت مهاجرة في الخارج وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. والبحرين لديها فرصة واعدة لمواصلة ريادتها المالية. ونرد على ذلك إعداد البنية التحتية في مرفأ البحرين المالي وهو ما يدعم ويعزز التوجه الذي تنتهجه حكومة البحرين».

وعن المطلوب لإزالة الحواجز أمام جذب الاستثمارات الخارجية، يقول فخرو أحد الأمور التي ننادي بها هو إيجاد تشريع لحماية الاستثمار، وهو مطلب ينظر إليه كل مستثمر أجنبي، فهو ليس أن يعرف ماله وما عليه، والقوانين الارتجالية قد تنفره. ونحن ننادي أيضا، ولصالح البلد، بوضع إستراتيجية طويلة الأمد للشأن الاقتصادي، ونأمل أن يتم التخطيط أكثر تنظيما. ونحن نطمح أيضا بإيجاد التسهيلات للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم لأنها تشكل نحو 70% من الاقتصاد الوطني.. فمتى ما رعت الحكومة هذا النوع المؤسسات وقدمت لها التسهيلات انتعش الاقتصاد.

وأضاف :«المصارف تلعب دورا رئيسيا في عملية الاستثمار. وأنا أرى، كقارئ وليس كرئيس غرفة تجارية، أن المصارف الإسلامية تلعب دورا مميزا في الطفرة التي تشهدها المنطقة، في قطاع العقار وغير ذلك. ومن المؤسف أن المصارف التقليدية لم تحذ حذو المصارف الإسلامية في المساهمة في تطوير القطاع الإنتاجي. المصارف الإسلامية لها دور جريء وطموح ملموس. أي مشروع سواء في البحرين أو غيرها يحتاج إلى تسهيلات مصرفية، ومبادرات القطاع الخاص تأتي تلقائيا، وهي والحمد لله تنتعش وتكبر، وستكبر بشكل أفضل لو تم إعطاء المزيد من التسهيلات وإلغاء المزيد من الحواجز التي قد تعيق الاستثمار».

وحول التنافس الكبير بين دول المنطقة في إقامة المراكز المالية الدولية، وما إذا كان ذلك يتضارب مع مسعى دول المجلس في تحقيق الوحدة الاقتصادية والنقدية، أوضح :«هذا التطور في دول مجلس التعاون شيء نتمناه، ولكن الأجدى هو وجود تنسيق بين دول المنظومة، وأحد متطلبات العولمة هو خلق التكتلات، وهذه لا يمكن خلقها وإنجاحها إلا عن طريق التنظيم والتنسيق والتعاون. والمؤهل أن تحقق دول المجلس المزيد في هذا الاتجاه. ورغم أنني لست في موقع اتخاذ القرار السياسي، ولكن أوضح أن مجلس التعاون، وأنا عضو في الهيئة الاستشارية، أن مبدأ التعاون والتضامن الاقتصادي بين دول المنظومة الخليجية هدف يتم التأكيد عليه طوال الوقت. ولكن العملية تحتاج تخطيطا ومتابعة أكبر في التنفيذ».

وأضاف :إن أحد الأمور محل النظر والمتابعة بين دول مجلس التعاون هو ضرورة التنسيق في القرارات الصادرة عبر إعطاء الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي المزيد من المرونة، وأرى أن النتيجة ستكون إيجابية لجميع الدول الأعضاء. وقد يأتي من يقول إن هناك متسعا لطموحات البحرين، أو الإمارات أو الكويت، في أن تكون مركزا ماليا، وهذا ما يحكم عليه الوقت لكن المؤمل في الوقت الراهن هو أن يكون تنسيق في التوجهات المستقبلية والنهج. ففي العالم هناك دول تعتبر مراكز عالمية متطورة، لكن هذا لا يمنع وجود دول أخرى تقدم التسهيلات المالية والاستثمارية. لكن يبقى موضوع الريادة.

وحول الخلاف في مجال التفاوض على توقيع اتفاقات التجارة الحرة وتبعات تلك الاتفاقات، أوضح :«اتفاقات التجارة الحرة فيها سلبيات ولكن فيها إيجابيات عديدة تنعكس على المستهلك وعلى الاقتصاد الكلي. أما السلبيات فهي خضوع التاجر المحلي للمنافسة. ولكن سواء تعلق الأمر باتفاقات تجارة حرة أم لم يتعلق يجب أن تكون المؤسسات الصغيرة والكبرى في البحرين التي تشهد نهجا اقتصاديا ليبراليا مهيأة للتعامل مع المستجدات والتغييرات التي تطرأ على الساحة العالمية.

وهذا دور مناط بغرفة تجارة البحرين، فمن أهدافها في المقام الأول كممثل للقطاع الخاص تعزيز تنافسية المؤسسات الوطنية عن طريق الورش والبرامج بالتعاون مع مجلس التنمية الاقتصادية. وأقامت الغرفة قبل أيام مؤتمر التنافسية كجزء من أطروحات الإصلاح الاقتصادي الذي يهدف إلى إصلاح سوق العمل وإصلاح التعليم والتدريب. وإصلاح سوق العمل وإعادة هيكلته تقتضي فرض رسوم إضافية تدريجية على استقطاب العمالة الوافدة، وهذا سينتج عنه زيادة في الأعباء الاقتصادية الملقاة على عاتق المؤسسات الكبيرة والصغيرة، وأحد الأمور المهمة المفترض التهيؤ لها هو تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للتصدي لظاهرة زيادة المصاريف التشغيلية عن طريق تحسين الإنتاجية».

التصحيح السعري جزء من آلية الأسواق

رأى فخرو أن أسواق الأسهم مفتوحة والتصحيح السعري جزء من آليات عملها. وقال إن الملاحظ أن الأسعار كانت في جزء منها مصطنعة حيث مكررات الربحية لكثير من الشركات مرتفعة، وهذا ما تفعله المضاربة، فعندما تدخل المضاربة لأي سوق تكون هذه هي النهاية. وأشار إلى انه كان من الممكن الحد من النتائج السلبية التي حصلت لو نظم عمل صناديق الاستثمار.

ولا يمكن أن نستبعد العوامل النفسية مثل فتح الملف النووي الإيراني والذي أحدث بعض الصدمة لدى المستثمرين. ولكن مع الوقت السوق يعدل نفسه. وفي المجمل، التصحيح الذي طال سوق الأوراق المالية ليس عملا سلبيا، فالمصارف العاملة في المنطقة مازالت ربحيتها في ازدياد وهو ما يعكس على الاقتصاد فهي لو تأثرت سلبا فسيكون الأثر سلبا على الوضع الاقتصادي والعملات.

وسألت «البيان» د. فخرو عن قدرة القطاع الخاص الخليجي على المنافسة دولياً من غير تكتلات وتحالفات، فقال إن «القطاع الخاص لديه تكتلات موجودة فعلا عن طريق غرف تجارية وصناعية، وعن طريق جمعيات رجال العمال. فبين الغرف ودول الخليج هناك اتحاد غرف التجارة والصناعة، وبين الدول العربية هناك اتحاد. وعن طريق التنسيق بين هذه الغرف عبر الاجتماعات الدورية السنوية يتم النظر والتنسيق حيال شؤون وشجون القطاع الخاص».

وأضاف أنه «على مستوى مجلس التعاون الخليجي، تنظر الأمانة العامة للغرف التجارية دائما في المواضيع ذات الشأن الاقتصادي وترفع تقارير إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون».

حوار: نضال حمدان