أجمع خبراء ومحللون ماليون على أن أسواق الأسهم شهدت خلال العام الماضي أصعب أعوامها منذ التأسيس قبل نحو ست سنوات، وأشاروا إلى أن التراجع المسجل كان مبالغا فيه ولم يكن يصل إلى حد توقعات أكثر المتشائمين من المحللين والمستثمرين على حد سواء. وأكدوا أن تراجع الثقة في تعاملات السوق كانت السمة الأبرز التي سيطرت على أسواق الأسهم وذلك نتيجة موجة الانخفاض المتواصلة طيلة شهور العام باستثناء بعض الفترات التي شهدت فيها الأسعار ارتفاعا مصطنعا، قائلين إن حدوث اختلالات في تطبيق الإفصاح والشفافية في تعاملات بعض الشركات عزز من تراجع الثقة في السوق.

وأعربوا عن تفاؤلهم بتحسين النشاط في الأسواق خلال العام الجديد وتعويض جزء من الخسائر التي لحقت بها عام 2005، مطالبين في الوقت ذاته بضرورة التشدد في تطبيق القوانين على جميع المتعاملين بمن فيهم أعضاء مجالس الإدارات ومعالجة ظاهرة تسرب المعلومات التي لعبت دورا سلبيا فيما شهدت السوق تعثرا خلال العام الماضي.

وقالوا إن الإعلان عن سياسات جديدة لتعزيز مبادئ الإفصاح والشفافية في تعاملات السوق والبدء بتطبيقها مطلع العام الجديد سيساهم في إعادة جزء من الثقة في تداولات السوق.

وقال رجل الأعمال احمد بن خلف العتيبة إن العام المنصرم اتسم بعدم تطبيق الضوابط المعمول بها على الوجه المطلوب الذي يساهم في تعزيز الثقة بتعاملات السوق، معربا عن أمله ببداية جديدة مع مطلع العام الجاري خاصة بعد إقرار العديد من التشريعات التي تساهم في ترسيخ مبادئ الإفصاح والشفافية وهي المبادئ التي باتت السوق بأشد الحاجة لها لإعادته إلى وضعه السابق من النشاط.

وأوضح العتيبة أن تراجع الثقة في تعاملات السوق خلال العام الماضي كان السبب الرئيسي للتعثر الذي سجل طيلة شهور عام 2005 وانخفاض الأسعار إلى أدنى مستوياتها، مشيرا إلى أننا لم نستفد من التجارب التي مرت بها أسواق الدول المجاورة خلال الأعوام الماضية ولم نستطع تجاوز المشاكل التي واجهتها تلك الأسواق بل على العكس من ذلك فقد وقعنا في الأخطاء نفسها وهو أمر غير مفهوم حتى الآن.

وقال ان الإفصاح والشفافية لم يكونا بالمستوى المطلوب خلال العام الماضي وبالشكل الذي يساهم في تعزيز الثقة بالتعاملات، وقد سجلت إحجام التداول تراجعا مقارنة مع العام الذي سبقه وهو إشارة واضحة على انخفاض ثقة المستثمرين الذين التزموا جانب الحيطة والحذر في قراراتهم طيلة شهور السنة.

ضبط التعاملات

وأكد العتيبة على ضرورة ضبط تعاملات المطلعين على قرارات مجالس إدارات الشركات المدرجة في السوق، مشيرا إلا أن سوق أبوظبي قام بالإعلان عن وضع ضوابط جديدة لمعالجة هذه المشكلة ومن المقرر تطبيقها مطلع العام الجديد على ان المطلوب التركيز عليه في هذا الإطار تطبيق القانون على الجميع وفي مقدمتهم أعضاء مجالس إدارات الشركات. وكرر العتيبة التأكيد على أن تسريب المعلومات أضرت كثيرا في تعاملات السوق خلال العام الماضي، مشيرا إلى أن بعض الإحصائيات غير الرسمية أظهرت أن مكاسب المطلعين على المعلومات تراوحت بين 25ـ 30 مليار درهم مما يعطي دلالة واضحة على عدم وجود عدالة في توفير المعلومات للمتعاملين في السوق.

وتوقع العتيبة أن تبدأ الأسواق مع مطلع العام ببناء مراكز سعرية جديدة خاصة في ظل وجود محفزات سواء تلك المتعلقة بالأرباح التي حققتها غالبية الشركات والتي تعد قياسية مقارنة مع نظيراتها في الدول المجاورة أو من الأسعار التي باتت أكثر من جاذبة بعدما بلغت هذا المستوى من التدني.

المحافظة على السيولة

وطالب العتيبة الجهات المعنية بضرورة ضبط سوق الإصدارات الجديدة وذلك للمحافظة على السيولة في السوق وبحيث لا يسمح بمثل هذه الإصدارات خلال العام 2007، مشيرا إلى ان الشركات استفادت من تجاربها خلال العام الماضي لجهة عدم الاعتماد على محافظها الاستثمارية في تحقيق الأرباح والتركيز على الأرباح التشغيلية بدلا من ذلك خاصة بعد الخسائر التي لحقت بها جراء تراجع أسعار الأسهم.

موجة تصحيح

وقال ياسر الجندي مدير التداول في الشركة الوطنية للوساطة لقد تعرضت أسواق الأسهم في المنطقة عموما وفي دولة الإمارات على وجه خاص لموجة تصحيح في عام 2006 هي الأقوى منذ عام 1998، حيث منيت مؤشرات الأسواق بهبوط حاد ونزيف في النقاط وبنسبة تصل إلى نحو 70% في مؤشر سوق دبي المالي مقارنة بين وضعه الحالي والمستوى الذي بلغه في نوفمبر 2005، ولم يكن حال مؤشر سوق أبوظبي مغايرا لقرينة سوق دبي المالي.

حيث بدأت مرحلة الهبوط الدراماتيكي من مستوى يزيد عن 6000 نقطة لنصل إلى مادون 3000 نقطة حاليا.. وكان من الواضح بان عوامل عديدة قد لعبت دورا رئيسيا في حدوث مثل هذا التراجع المخيف نسبيا كان من أهمها تعرض الأسواق في الدولة لموجة طبيعية من التصحيح السعري طال جميع الأسهم المدرجة التي شهدت عاما ذهبيا من الصعود المتواصل منذ منتصف عام 2004 واستمر حتى 2005 تقريبا.

خصوصا و ان الصعود الذي طرأ على أسعار شريحة كبيرة من الأسهم لم يكن منطقيا أبدا خاصة الأسهم الحديثة التأسيس التي ما انم يتم إدراجها في الأسواق ألى وتشهد تداولا بأسعار تتجاوز القيمة الاسمية لسبعة أو ثمانية أضعاف بحجة ان تكلفة تمويل الاكتتاب كانت عالية وهو أمر لا علاقة له بالقيمة الحقيقية التي يجب ان يستحقها السهم وفقا لنتائج الأداء والسعر الدفتري له.

كما وجدنا ان الصعود المستمر في الأسعار أغرى شريحة كبيرة من أصحاب رؤوس الأموال وكذلك صغار المستثمرين إلى التوجه بجزء ليس باليسير من أموالهم مدخراتهم نحو الأوراق المالية بغية تحقيق إرباح سريعة، وهذه الفئة للأسف الشديد لا تتمتع بأي وعي استثماري أو خبرة كافية للتعامل مع مجريات الإحداث في السوق أو التقلبات التي قد تتعرض لها الأسعار بين فينة وأخرى، الأمر الذي جعلها عرضة لاتخاذ القرارات الاستثمارية غير المناسبة في كثير من الأحيان وبالتالي تعرضها لخسائر فادحة.

كما لعبت عوامل مهمة دورها في تحريك أمواج السوق الهائجة مثل تأسيس العديد من الشركات الجديدة في القطاعات المختلفة والتي أسهمت في سحب سيولة ضخمة من الأسواق إلى جانب القرارات التي اتخذتها شركات عديدة في شأن زيادة رؤوس أموالها الأمر الذي أدى إلى جفاف تدريجي في السيولة النقدية الحقيقية الموجودة في السوق وبالتالي بدأنا نشهد انخفاضا واضحا في إجمالي حجم التداول اليومي نتيجة جفاف السيولة.

كما أدى الهبوط المتواصل في الأسعار إلى تحول معظم المستثمرين إلى المضاربة البحتة وبالتالي عدم الاحتفاظ بالأسهم الأكثر من أيام معدودة العامل الأهم والغريب جدا والذي القى بظلاله القاتمة على أسواق الأسهم في الدولة هو الربط غير المنطقي أبدا بين كل من سوق الأسهم السعودي وأسواقنا المحلية، حيث لاحظنا معظم التحليلات كانت تربط بين هبوط وتراجع السوق السعودية والهبوط في أسواقنا.. على الرغم من وجود علاقة منطقية تجعلنا نقر بهذه الافتراضية.

وهذا لا يمنع من القول ان التأثير كان نفسيا فقط حيث كان الإحباط يتسلل إلى نفوس المستثمرين وبعض مدراء المحافظ الاستثمارية الذين للأسف لا يتمتعون بالخبرة الكافية لإدارة محافظهم فكانوا يلجأون إلى البيع الهستيري لمجرد حدوث هبوط في السوق السعودي.. ولكن اتضح لنا مع مرور الوقت ان المنطق السليم يشير إلى ان السوق السعودي مختلف وضعه عن سوقنا وليس هناك أي علاقة بين السوقين وعموما فان عام 2006 كان قاسيا بكل المقاييس على شريحة المستثمرين والمضاربين على حد سواء نتيجة التقلبات التي حصلت في الأسعار ومؤشرات السوق، ولكن نرى ان الأسعار حاليا بلغت مستويات ممتازة للاستثمار على المدى المتوسط.

وقال الجندي ان النظرة إلى أسواق الأسهم المحلية خلال العام القادم تحمل الكثير من علامات التفاؤل خاصة بعد ان وصلت مرحلة الانخفاض في أداء الأسواق وأسعار أسهم الشركة إلى مستويات متدنية بحيث لا يمكن للسوق ان يستمر بهذا الانخفاض.. مشيرا إلى تصريحات العديد من المسؤولين المعنيين بقرب انتهاء المرحلة التصحيحية التي تمر بها الأسواق المالية في الدولة وأشار إلى إمكانية ان تشهد الأسواق المالية بالدولة بداية انطلاقة جديدة اواخر شهر يناير أو شهر فبراير القادمين ووصف أسعار الأسهم في السوق المحلية بانها كانت طبيعية لكن عملية سحب السيولة من السوق والتي تمت بطريقة غير منظمة عبر الاكتتاب أدت إلى تدهور الأسواق.. مؤكدا ان الأسواق المالية المحلية تعاني حاليا من أزمة سيولة وأشار إلى ان الأسواق المالية المحلية شهدت خلال العام الحالي انخفاضا كاملا وتدريجيا.

موضحا ان ابرز أسباب هذا الانخفاض تتمثل بعمليات الاكتتاب غير المنظمة والارتفاع القياسي للأسعار خلال فترة بسيطة وعمليات التسييل العشوائي للمحافظ الاستثمارية وأكد ان احتياجات السوق المحلية حاليا تتركز على ضرورة إيجاد صانع للسوق مع تحديد الأطر التي يجب ان يعمل بها والتي يمكن ان تساهم فيها الحكومة لضمان الحيادية والنزاهة في عملها ودخول استثمارات جديدة لتعزيز ثقة المستثمرين وتغيير إستراتيجية المحافظ من دور الربحية فقط إلى دور المحافظة على السوق مع استمرار الربحية ومنح شركات الوساطة فرص الإبداع ونشر دراسات تزيد الوعي وتصب في صالح المستثمرين والسوق .

وقال انه ضد التدخل المباشر للحكومة في الأسواق المالية لكن مع مساهمتها في ضبط السوق عبر إيجاد صانع للسوق وتوفير شركات تجري الدراسات والبحوث بشكل حيادي ومستقل وغير موجه مشيدا بالتعديلات التي صدرت أخيرا بشأن تنظيم عمل شركات الوساطة وأكد ان هذه التعديلات تساهم في رفع جودة كفاءة شركات الوساطة المالية مما ينعكس إيجابا على أداء الأسواق المالية ونشاطاتها من جانبه أكد إمكانية حدوث بعض الارتفاع خلال عام 2007 لكن دون العودة للأسعار التي كانت سائدة خلال عام 2005 وأواخر عام 2004 .

وأوضح ان الأسواق المالية بالدولة بشكل عام ستكون في عام 2007 أفضل من عام 2006 من ناحية السعرية أو من ناحية التنظيمية للأسواق.. مشيرا إلى ان قوة اقتصاد الإمارات ستكون العامل الايجابي الوحيد الذي سيحافظ على مكانة السوق وقال ان وصول الأسواق المالية بالدولة لمرحلة الارتفاع يتطلب وجود العديد من المحفزات الاقتصادية والاستثمارية والقانونية والإجرائية..

مشيرا إلى ان ما تحتاجه الأسواق المالية بالدولة في هذه المرحلة يتمثل في دخول مؤسسات مالية أجنبية.. لكنه أوضح ان هذه المؤسسات لن تدخل الأسواق المالية بالدولة الا بوجود نوع من الثقة سواء فيما يتعلق بإفصاح الشركات عن البيانات المالية وشفافيتها أو من حيث القوانين الناظمة لعمل السوق والاستثمار فيه وأشار إلى المؤشرات الاقتصادية في الإمارات خصوصا ودول الخليج عموما تعد ممتازة لكنه أكد على وجود عدة عوامل جيوإقليمية منها سياسية تؤثر على نفسية المستثمرين وتنعكس سلبا على أداء الأسواق المالية وأشار إلى الدور السلبي للمضاربين على أسواق الأسهم المحلية.. وقال ان الجني السريع للإرباح يؤثر على الأسهم.. مشيرا إلى ان انخفاض مستوى الشفافية يؤثر على الأسواق المالية ويخلخل من ثقة المستثمرين إضافة إلى غياب السياسة الواضحة وأي محفزات للاستثمار.

انخفاض كبير

وقال عامر الديسي من المركز الدولي للأسهم والسندات انه وبنظرة عامة إلى أسواق المال المحلية خلال العام الماضي نجد أن السوق شهد انخفاضا كبيرا في أسعار الأسهم نظرا للارتفاعات غير المبررة في عام 2005 حيث ارتفع حجم التداول من 4 مليارات سهم تقريبا إلى 25 مطلع العام 2006 لجني الأرباح من قبل المستثمرين الكبار وتبعها اندفاعات البيع من قبل صغار المستثمرين نظرا لضعف الوعي الاستثماري علاوة على عمليات تسييل المحافظ الممولة عن طريق البنوك نظرا لارتفاع نسبة الفائدة على القروض وانحسار السيولة عن الأسواق وتوجهها إلى الودائع وقطاع العقار في الدولة والذي يشهد نمواً ملحوظاً.

وقال قد كانت السمة الأساسية خلال هذا العام هي المضاربة والتي تؤدي إلى هبوط سريع في جني الارباح واختفاء المال الاستثماري والمؤسسي عن الأسواق وعدم وجود صانع للسوق والذي يقوم بدوره بعمل نوع من الاتزان في الأسواق صعودا وهبوطا.

وبالنظر إلى أسعار الأسهم وخصوصا ذات العوائد المجزية من الأسهم القيادية نرى ان الأسعار أصبحت مغريه جدا للاستثمار المتوسط وطويل الأجل وقد يشهد العام المقبل بدء دخول المحافظ الاستثمارية والأموال المؤسسية إلى الأسواق وخصوصا مع التقدم الملحوظ في إدارة الأسواق العاملة في الدولة من خلال القرارات الجديدة والتي من شأنها تعزيز الشفافية ورفع ثقة المستثمر في الأسواق والعمل على تطوير أداء مكاتب الوساطة من خلال الدورات التدريبية والبرامج المخصصة لذلك.

وكما ان تحول سوق دبي المالي إلى شركة مساهمة عامة تشترك فيها جميع الأطراف في السوق وتحويله إلى أول سوق إسلامي عالمي يفتح المجال أمام كافة الاستثمارات المحلية والعالمية الراغبة في الالتزام بأحكام الشريعة وبحيث يكون هذا السوق هي الخيار الأوحد لهم في بيئة تتسم بالشفافية والثقة الكاملة. كما تفيد مؤشرات اغلب الشركات المدرجة عن نمو في الأرباح بنسب جيدة عن العام السابق مما يبشر بتوزيعات مجزيه مقارنة مع أسعار الأسهم الحالية وكما أعلن العديد منها عن مشاريع مستقبلية تضمن لها تحقيق أرباح متنامية في العام المقبل.

أبوظبي ـ ناصر عارف