أثقلت خطط مصرف الإمارات المركزي بشأن تنويع الاحتياطيات النقد الأجنبي على سعر صرف الدولار خلال العام المنصرم، وألقت تصريحات معالي سلطان ناصر السويدي محافظ المصرف بظلال قاتمة على العملة الأميركية، دافعة إياه إلى التراجع أمام العملات الرئيسية وذلك في كل مرة يعبر فيها عن اعتزام المصرف تنويع الاحتياطي بعيدا عن الدولار.
وارجع محللون أسباب عدم تنفيذ خطه المصرف المركزي الإماراتي بزيادة حصة عملة اليورو ضمن احتياطياته إلى التقلبات الحالية في أسعار الصرف وأسعار الفائدة، الأمر الذي إلى غياب وجود اتجاه محدد يسيطر على أسواق العملات، وقد عبر معالي سلطان ناصر السويدي بصدق عن الحالة العامة التي تسيطر على أسواق صرف العملات بإشارته إلى «أنه لا يوجد اتجاه».
وهو ما أشر على أن المسألة الحيوية التي تهيمن على أذهان محافظي البنوك المركزية بما في ذلك المصرف المركزي الإماراتي في إدارة السياسة النقدية هو التحوط من مخاطر توقعات فائدة الأميركية، وليس التحوط فقط من مخاطر تقلب عملة الدولار في مواجهة العملات الرئيسية، حيث باتت التوقعات تتذبذب بين لحظة وأخري ما بين التألق بزيادة الرهان على وجود زيادات أخري في أسعار الفائدة، وما بين الخبو بتراجع هذا الرهان.
تذبذب التوقعات
وأصبحت هذه التوقعات تتموج بين هذين الاحتمالين في تحركات سريعة التغير، وهو الأمر الذي يرسي حالة عدم اليقين والتأكد التي تسيطر الآن على أسواق الصرف في العالم. وتدفع إلى انعدام الرؤية بشأن الاتجاه العام الذي سيسطر على هذه الأسواق، فضلا عن إنها تخلف تذبذبا آخر لا يقل أهمية وهو تذبذب أسعار صرف الدولار في مواجهة العملات الرئيسية.
ولقد كرر مصرف الإمارات المركزي من وقت لآخر خلال العام الماضي موقفه الثابت والذي أعلنه منذ وقت مضي، بشأن تمسك الدولة بخطة تحويل عشرة بالمائة من احتياطيها النقدي إلى اليورو، وقد سلط معالي سلطان ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي في تصريحات صحافية الضوء على السبب الرئيسي وراء عدم تنفيذ هذه الخطة بقوله : أن الإمارات لا تشتري اليورو في الوقت الحالي وأن المصرف ينتظر تغير الظروف وسيتحرك حين يكون هناك اتجاه صعودي واضح وفي حالة تحرك اليورو هبوطا، وأضاف مستدركا «أن المصرف سينتظر حتى يبلغ اليورو أدني مستوي ثم يشتري، أما في الوقت الحالي، فليس هناك اتجاه».
وتجسد غياب الاتجاه أو بالأحرى حالة انعدام اليقين التي تخيم أسعار صرف العملات في تغير بوصلة التوقعات بشأن آفاق الفائدة الأميركية التي صارت المصدر الرئيسي لدعم الدولار في مواجهة العملات الرئيسية الأخرى والتي قدمت المساعدة له خلال عام 2005 للارتداد على مسار الهبوط الذي سلكه على مدى ثلاث سنوات متتالية.
غياب اليقين
وجاء هذا التقلب في أسعار الفائدة على خلفية انكشاف الاقتصاد الأميركي أمام قوتين متضادتين، وهما تصاعد الضغوط التضخمية وتراجع وتيرة النمو الاقتصادي وفي ضوء تعقيدات الوضع الاقتصادي، طرح محللون تساؤلات عن الكيفية التي بها سيعالج رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي مثل هذا الوضع، حيث علق ستيفن ستانلي المدير الإداري وكبير الاقتصاديين في شركة «آر بي إس جرين ويتش كابيتاتل ماركيتس أنه من المحتمل أن يتباطأ النمو في القريب العاجل ويتصاعد التضخم، وبالتالي، يصير السؤال المطروح هو كيفية مواجهة هاتين القوتين، وذلك على الرغم من إعراب صانعي السياسة النقدية بشكل جلي وواضح عن تفضيلهم مكافحة التضخم.
وعلق في السياق ذاته دين ماكي كبير الاقتصاديين في مؤسسة «باركليز كابيتال» بقوله أن البيان يوضح أن بنك الإتحاد الفيدرالي الأميركي على ثقة بأن النمو يتجه إلى التباطؤ خلال النصف الثاني وأن الضغوط التضخمية قد تجاوزت النطاق المرغوب فيه، وأعرب ماكي عن ثقته بأن النمو الاقتصادي سيتباطأ إلى حد احتواء الضغوط التضخمية، وعلق كذالك بول كاسيريل مدير البحوث الاقتصادية في شركة «نورثيرنن ترست سيكيوريتيز» بقوله أن بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي قد أشار بالفعل إلى أنه يريد أرجاء رفع الفائدة، كما أن البنك يقر بوجود تباطؤ في معدل النمو الاقتصادي، وأن الضغوط التضخمية آخذه في الصعود وربما تسجل ارتفاعات فائقة.
ويشار هنا إلى أن الدولار أرتد في عام 2005 على مسار الهبوط الذي استمر لمدة ثلاث سنوات وكسب 14 % في مواجهة اليورو والين نتيجة لإجراء زيادات في معدل الفائدة التي كان من شأنها أن زادت جاذبيته بالنسبة للمستثمرين، حيث أنه في الوقت الذي جري فيه رفع الفائدة الأميركية خلال العام المذكور ثمانية مرات، رفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة ثلاثة مرات منذ مطلع شهر ديسمبر الماضي، بعدما حافظ على معدل الفائدة عند مستوي 2 % منذ منتصف عام 2003.
وهكذا، تأرجحت أسعار صرف الدولار صعوداً وهبوطاً بناء على توقعات الفائدة والتي هي الأخرى تتغير بوتيرة سريعة، الأمر الذي يجعل عملية تنفيذ خطة المصرف المركزي الإماراتي الرامية إلى تنويع احتياطية تنطوي على الكثير من التعقيدات التي تعكس عدم وضوح الرؤية و«غياب الاتجاه» بالنسبة لآفاق أسعار الصرف.
الربط بين الدولار والدرهم
وقد استأثر موضوع ربط الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي باهتمام الأوساط الاقتصادية والمالية خلال العام المنصرم، وعلى هذه الأرضية الرمادية. أستعر الجدل بين معسكرين: أحدهما يؤيد استمرار سياسة سعر الصرف القائمة على ربط الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي، والأخر يدعو إلى ضرورة تغيير سياسة سعر الصرف بما يجنب دولة الإمارات مخاطر التقلبات في أسواق العملات الدولية وبما يعكس الحقائق الاقتصادية التي صارت دولة الإمارات تشهدها، سواء من ناحية تنوع بنيتها الاقتصادية بتقليل اعتمادها على النفط، أو من ناحية تنوع شركائها التجاريين.
مكاسب الربط
ويسوق المعسكر المؤيد لاستمرار الربط العديد من الحجج للبرهنة على أن ربط الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي حقق مكاسب على أكثر من صعيد ومجال. حيث يرى المؤيدون أن ربط الدرهم الإماراتي بالدولار خلال العقدين الماضيين كان له أبلغ الأثر في رفع متوسط سعر صرف الدرهم في عقدي الثمانينات والتسعينات، وأنه بالرغم من تراجع مؤشرات الأداء الاقتصادي حينذاك، إلا أن هذا الضعف لم يسبب انخفاضاً في سعر الدرهم، بحكم ارتباطه بالدولار الأميركي، وهو ما أكسبه قوة وعافية، وقاد إلى احتواء الاتجاهات الانكماشية التي كانت من الممكن أن تفاقم الوضع الاقتصادي سوءاً، إذا ما كان سعر الدرهم منخفضاً.
ويستدرك المعسكر المؤيد للربط في دفاعه قائلا بأن ارتفاع قيمة الدرهم في تلك الفترة أنطوى على قيمة مضاعفة، من خلال رفع قيمة عوائد صادرات النفط، الأمر الذي دعم قدرة الدولة على تلافي أزمة كانت تهدد اقتصادها. كما ساهم الربط بشكل ملموس في امتصاص الآثار التضخمية التي كانت تعاني منها بعض الدول الصناعية، والتي كانت التوقعات تدور حول إمكانية امتدادها إلى الإمارات، ولكن الدولة كانت على علاقة وثيقة مع أسواق الاستيراد مما ساعد بدوره على استقرار السوق المحلية وحال دون ارتفاع قيمة الواردات الإجمالية.
وجهات نظر متشككة
أما المعسكر الآخر الداعي إلى فض الارتباط بين الدولار والدرهم الإماراتي، فهو يرى أنه الربط في ذاته لا يوفر ضمانات حقيقية لاستمرار الدرهم قويا مقابل العملات العالمية بحكم ارتباطه بالدولار، وانه يجب أن تعطى الأولوية هنا لحماية استقرار الاقتصاد.
ويقر أصحاب وجهات النظر المطالبة بفض الارتباط بأن هناك فوائد جنتها دولة الأمارات من جراء الربط كنتيجة لارتفاع سعر الدولار خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات. ولكنهم يرون أن هذه الفوائد لا تنفي حقيقة أن ارتباط العملتين جعل الدرهم عرضة للتأثر الشديد بكل التقلبات مقابل العملات،مما أضاع على الدولة مكاسب كثيرة وعرضها لخسائر فادحة خلال السنوات الماضية وعلى وجه الخصوص في عامي 1985 و1995.
ويؤكد أنصار فك الارتباط أن الاقتصاد الوطني في العام 1995 تكبد خسائر فادحة زادت قيمتها على أكثر من 12 مليار دولار (04 ,44 مليار درهم) بسبب انهيار الدولار في تلك الفترة.
ورغم تقدير أنصار فك الارتباط بأن عملية فض الارتباط بين الدولار الأميركي والدرهم الإماراتي ستفضي إلى انخفاض في قيمة العملة الأخيرة، إلا أنهم يرون بأن انخفاض الدرهم لن يستمر طويلا في حال حدوثه لعدة أسباب، أهمها أنه بمرور الوقت سيكون بمقدور الدرهم المدعوم بسياسة نقدية قوية ومتكاملة يديرها المصرف المركزي المشهود بكفاءته أن يعود لسابق قوته تدريجيا.
معتمدا على الأداء المتميز للاقتصاد الوطني الذي تشير إليه التقارير المحلية والدولية والتي تجمع على انه يشهد تطورات ايجابية في عدة أصعده، كما أن سياسة حرية تحويل العملة والاحتياطات المصرفية المتزايدة، إلى جانب الاستقرار السياسي والاقتصادي المشهود به للدولة ستكون من العوامل التي ترجح من احتمالات استمرار تحسن سعر صرف الدرهم بعد فك الارتباط.
وأفرز الجدل الدائر في الأوساط الاقتصادية والمالية الإماراتية حول علاقة الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي بما يمكن تسميته مجازا «بأنصار الطريق الثالث» الذين يقفون في المنطقة الوسط بين الفريق المطالب بفك الربط بين العملتين، والفريق الآخر المؤيد لاستمرار الربط، ويدعو أنصار الطريق الثالث إلى التدرجية في أي تعديلات في السياسة النقدية مع الأخذ في الحسبان التطورات على الساحتين الإقليمية والعالمية وأبرزها الاتجاه نخو إطلاق عملة خليجية موحدة.
دبي ـ مجدي عبيد