شكلت قضية التضخم في العام المنصرم تحديا رئيسيا للسياسات النقدية والاقتصادية في الإمارات، وبدت المعضلة الرئيسية في كيفية تحقيق التوازن الحرج بين النمو الاقتصادي ومكافحة التضخم، وظهر على السطح جدلا محتدما حول أنسب السياسات لمكافحة التضخم وامتصاص السيولة الزائدة، وانقسم الرأي ما بين فريق يدعو إلى استخدام الفائدة، وآخر يرى أن رفع أسعار الفائدة لن يكون له تأثير كبير على خفض معدلات التضخم، على اعتبار أن أسعار الإيجارات تعتبر المغذى الرئيسي لزيادة الضغوط التضخمية.

وطالب فريق ثالث بضرورة أن يتخذ مصرف الإمارات المركزي أفعالا قوية لمواجهة مخاطر تسارع وتيرة التضخم التي تراكمت خلال العامين الأخيرين، وحذر هذا الرأي من تسارع معدلات التضخم سيؤثر بالسلب على أفق النمو الاقتصادي، وسيسفر عن خلق فقاعات في أسواق العقارات والأسهم، ورصدت آراء أخرى بأنه مازال مصرف الإمارات المركزي لديه توليفة من الأدوات التي ستمكنه من تهدئة وتيرة النمو الاقتصادي، وتشمل زيادة أسعار الفائدة ورفع قيمة العملة وامتصاص السيولة الزائدة.

تباين التقديرات

وتتباين التقديرات بشأن معدل التضخم، ووفقاً لتصريحات معالي سلطان ناصر السويدي محافظ مصرف الإمارات المركزي في 26 يونيو الماضي أن معدل التضخم في الإمارات قد ينخفض إلى 4% بنهاية عام 2006. وقال المحافظ على هامش الاجتماع السنوي لبنك التسويات الدولية ان التضخم كما نراه مؤقت بسبب الاختناقات في الخليج، مضيفا بأنه بنهاية هذا العام سنشهد معدل تضخم أقل في منطقة الخليج وخاصة الإمارات لأن الاقتصاد نشط وقوي ومرن ويمكنه إنتاج وحدات سكنية إضافية نحتاج إليها لتلبية الطلب، وقال إن التضخم قد ينخفض إلى 4% من نحو 7% في الوقت الحالي.

وكذلك، وبحسب تصريحات معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة الاقتصاد في إبريل الماضي، فإن الضغوط التي تؤدي إلى التضخم في طريقها إلى الزوال في المستقبل القريب، مشيرة إلى أنها ناجمة عن أسباب خارجية بسبب الارتفاع العالمي في أسعار مواد البناء (حديد وإسمنت)، إضافة إلى ارتفاع الطلب المحلي على منتجات البناء بسبب مشاريع البنى التحتية الإقليمية والتدفق الكبير في رؤوس الأموال المحلية والإقليمية والعالمية إلى الإمارات لجاذبيتها الاقتصادية، مما أدى إلى حدوث زيادة في أسعار الإيجارات.

وفي هذا السياق، قدرت وزارة الاقتصاد أن التضخم بدولة الإمارات قد يصل في عام 2006 إلى ستة في المئة في هذا العام دون تغيير عن المعدل الذي أعلنته الوزارة لعام 2005 وذلك نظرا لارتفاع تكلفة الواردات غير المقومة بالدولار.

ولكن هناك تقديرات أخرى تضع أرقاما أعلى للتضخم، فرغم أن صندوق النقد الدولي قد وضع صورة متفائلة لمستقبل الاقتصاد الإماراتي، مؤكداً على أن الدولة مقبلة على مرحلة انتعاش كبيرة ستمتد لسنوات قادمة كاشفا عن أن أحدث التقديرات تشير إلى أن الإمارات ستحقق نموا حقيقيا في اقتصادها مقداره 5 ,10% خلال عام 2006وذلك استنادا إلى احدث البيانات التي رصدها الصندوق من نتائج آخر زيارة قامت بها بعثة الصندوق للدولة منذ فترة وجيزة وذلك مقابل نمو اقتصادي حقيقي حققته الدولة بلغ 5 ,8% عام 2005 و7 ,9% عام 2004 و12% عام 2003.

وجاءت هذه التوقعات على لسان محسن خان مدير دائرة الشرق الأوسط واسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي في 6 يونيو الماضي بمناسبة الإعلان عن تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي في الشرق الأوسط واسيا الوسطى الصادر عن الصندوق، جاءت هذه التوقعات أكثر تفاؤلا من توقعات سابقة لصندوق النقد الدولي ولمؤسسات عربية أخرى أشارت إلى أن اقتصاد الإمارات سيحقق نمواً حقيقياً لعام 2006 في حدود 5 ,6% فقط.

الرقم القياسي لأسعار المستهلك

لكن رغم هذه التوقعات المتفائلة، أعرب المسؤول بصندوق النقد الدولي عن قلق الصندوق لارتفاع مستوى التضخم حيث من المتوقع أن يرتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك لعام 2006 بنسبة 8% مقابل نسبة ارتفاع مماثلة خلال عام 2005، وقال إن هذا الارتفاع يقلق الصندوق وانه على الجهات الحكومية المختصة في الدولة أن تكون متيقظة من هذا الارتفاع الكبير في معدل التضخم، وكشف محسن خان عن أن الصندوق ابلغ الجهات المختصة بالدولة بهذا القلق مؤكداً على أن مؤشر الرقم القياسي لأسعار المستهلك الذي يتم الاعتماد عليه لقياس معدل التضخم في الإمارات غير دقيق ولا يعطي صورة حقيقية لمعدل التضخم لذلك فان صندوق النقد الدولي أوصى بإعادة النظر في مكونات الرقم القياسي لأسعار المستهلك.

حتى يكون أكثر تعبيرا عن الواقع الفعلي وعرض الصندوق تقديم المساعدة للحكومة في هذا المجال لتطوير نظام احتساب معدل التضخم بالدولة. وقد دعا بنك استاندرد شارترد مصرف الإمارات المركزي إلى رفع أسعار الفائدة على الأقل بنسبة تتراوح بين 7 و8% لكبح التضخم والحفاظ على أسعار فائدة حقيقية إيجابية، ورصد البنك أن مصرف الإمارات المركزي يقوم تقريبا برفع معدلات الفائدة في كل مرة ترتفع فيها الفائدة الأميركية بحكم ربط الدرهم بالدولار الأميركي، ومن ثم فان أكثر قرارات السياسة النقدية أهمية والمتعلقة بأسعار الفائدة، تتأثر بقرارات السياسة النقدية الأميركية.

ورغم دعوة بعض المحللين إلى رفع أسعار الفائدة لكبح ضغوط التضخم، إلا أن البعض الآخر يرى أن هناك خيارات أخرى، كأن يقوم مصرف الإمارات المركزي بخفض السيولة عن طرق فرض قيود كمية على الإقراض، كما فعل المصرف المركزي الكويتي الذي ألزم البنوك بأن يكون معدل القروض إلى الودائع في حدود نسبة 80%، كما أنه بمقدور مصرف الإمارات المركزي أن يقوم برفع سعر صرف الدرهم، إذا ما أرد معالجة التضخم بطريقة محددة، وذلك على غرار الوضع بالنسبة للكويت التي قامت برفع سعر صرف عملتها بشكل طفيف في مواجهة الدولار.

ولكنه في مواجهة هذا الرأي الذي ينصح برفع سعر الفائدة لكبح التضخم، هناك رأي آخر رأى أن مثل هذا الأسلوب سوف يكون كفؤا في محاربة التضخم، إذا ما كان صعود الأسعار ناتج عن ارتفاع حقيقي في الطلب، ولكن معدل التضخم في الإمارات يتأثر بالعوامل المحفزة على صعود التكلفة، كتلك الخاصة بالنقص في المعروض من المنازل، وزيادة تكاليف الوقود، والانخفاض النسبي في سعر صرف الدرهم في مواجهة العملات الأخرى الرئيسية. وأنه نظراً لأن زيادة الإيجارات تمثل السبب الرئيسي لصعود التضخم في العام الماضي، حيث إنها مثلت 30% من متوسط الإنفاق الشهري، فإن رفع معدلات الفائدة لن يكون له تأثير كبير في دفع الأسعار نحو الانخفاض.

العرض النقدي

وقد قفز العرض النقدي في الإمارات بنسبة 27 % في عام 2005، وهو ما ساهم من وجهة نظر البعض في صعود الأسعار في أسواق العقارات والأسهم، ومن ثم، فإنه بإمكان مصرف الإمارات المركزي امتصاص السيولة الزائدة سواء من خلال زيادة رفع نسبة الاحتياط إلى الودائع بالنسبة للبنوك أو من خلال بيع سندات حكومية طويلة الأجل، بيد أن صندوق النقد الدولي يرى أنه لا توجد مخاوف من سحب السيولة بشكل ضار عند حدوث أزمات لذلك، وأنه غير المتوقع حدوث أزمات اقتصادية في ظل المؤشرات التي تظهر أن دولة الإمارات أطلقت وستطلق العديد من المبادرات والمشروعات العملاقة والمهمة في العديد من المجالات الاقتصادية التي ستحدث نقلة نوعية في اقتصاد الإمارات على المديين المتوسط والبعيد.

ووفقا لتصريحات سيف هادف الشامسي المدير التنفيذي لدائرة الخزانة بالمصرف المركزي في 18 يونيو الماضي، ارتفع حجم شهادات الإيداع التي أصدرها المصرف ا إلى 32 مليار درهم تقريبا وفق احدث البيانات الرسمية مقابل 5 ,21 مليار درهم في نهاية عام 2005 بزيادة مقدارها 5 ,10 مليارات درهم ونمو بلغت نسبته 84 ,48%. وتعد شهادات الإيداع من أهم الأدوات الناجحة التي يعتمد عليها المصرف المركزي لاجتذاب السيولة الزائدة المحلية لتحقيق التوازن في الأسواق وهي شهادات ذات فترات واستحقاق تتراوح بين أسبوع و18 شهرا وتمكن البنوك من توظيف السيولة الفائضة لديها بشكل آمن وناجح من خلال هذه السندات، ويعيد المصرف المركزي استثمار هذه الأموال بالخارج في أدوات مالية ذات ملاءمة عالية سواء عن طريق سندات أو ودائع ذات فترة استحقاق لا تزيد على 7 سنوات، وذلك وفقا لقوانين وقواعد عمل المصرف المركزي. التوازن بين النمو ومكافحة التضخم.

وعلى هذه الأرضية، تبرز المعضلة التي تواجه دوما صناع السياسة النقدية في العالم، وهي كيفية تحقيق التوازن الحرج بين هدفي تحقيق النمو الاقتصادي ومكافحة التضخم، ولهذا، أعطت بعض الدول الاستقلالية لبنوكها المركزية لإدارة مثل هذا التوازن الحرج. حيث يواجه الوصول إلى معادلة توازنية بين الهدفين، مشكلة رئيسية تتمثل في وجود عوامل مؤثرة ذات اتجاهات متعددة ومتباينة، ومن ثم، يتمثل التحدي الأكبر بالنسبة للدول التي تربط عملاتها بالدولار، هو تحديد أي نوع من السياسة النقدية التي يجب تبنيها، ومن ثم، يعد سعر الفائدة بمثابة حلقة الربط بين السياسات الخاصة بالنمو الاقتصادي والسياسات النقدية.

دبي ـ «البيان»