ينقسم وول ستريت (تسارع المال) حول اتجاه الاقتصاد الأميركي، وهو أمر نادر الحدوث. فهناك متشائمون مثل نوريل روبنسي من شركة، روبين جلوبال ايكونوميكس، يعتقدون أن الناتج المحلي يتراجع عن معدل 6,1% سنوياً الذي سجله خلال الربع الثالث من 2006 وأن الكساد أمر حتمي.
ويعتقد المتفائلون أن نمو إجمالي الناتج المحلي يرتفع عقب تراجعه في موسم الصيف، ويقول ستيفن جن من مورجان ستانلي إن خطر الكساد نسبته 13% فقط، مقابل 19% من شهر مضى، وذلك بعد تحليل بيانات السندات والأسهم وسوق الإقراض.
فكيف يكون هذا الانقسام المتناقص؟ الحقيقة أن هناك نوعين من الاقتصاد في أميركا. قطاع البناء الإسكاني وإنتاج السيارات ويتراجعان، لكن بقية القطاعات الاقتصادية فتبلى بلاء حسناً، وفي ظل هذه المرونة انخفض معدل البطالة إلى 4,4% في أكتوبر، وهو أقل معدل منذ 2001. أضف إلى ذلك أسباب نمو الأجور وساعات العمل غير أن تأثير ذلك يعتمد على مدى تدهور القطاعات وانتشار هذا التدهور إلى قطاعات أخرى، كما تقول نيويورك تايمز.
ومن الصعب الشعور بالتفاؤل عند النظر إلى قطاعي الإسكان (المنازل) والصناعة التحويلية. وبرغم إعلان ألان جرنيسيان مؤخراً (محافظ البنك المركزي السابق) إن أسوأ مرحلة في قطاع المنازل قد مرت بسلام، فإن الأدلة تشير إلى غير ذلك.
فقد يكون معدل التراجع في قطاع المنازل عند أعلى مستوى له، لكن حجم المخزون وضعف الطلب يفيد بان شركات البناء سوف تؤجل مشروعاتها لأشهر مقبلة وستنخفض الأسعار.
ويقول ستيفان روس من مورجان ستانلي أيضاً إن نحو ثلث الإنفاق في قطاع بناء المنازل خلال العقد الماضي قد انعكس اتجاهاً.
ولا يزال نصيب الاستثمار في بناء المنازل من إجمالي الناتج المحلي أعلى من المتوسط على المدى الطويل.
وحتى إذا كانت أسوأ الأوقات لبناء المنازل بالنسبة للشركات قد مرت، فقد لا ينطبق ذلك على كل الشركات. وحتى الآن هناك طفرة في البناء لأغراض غير سكنية، لكن بيانات سبتمبر تفيد بأن هذا القطاع أيضاً يفقد قوة الدفع، وتترجم تراجعات الاستثمار في البناء إلى ارتفاع في البطالة. فقد خسر قطاع البناء 26 ألف وظيفة في سبتمبر ويبدو أن ارتفاع هذا الرقم بات حتمياً.
وأرقام شركات الصناعة التحويلية أيضاً توضح اتجاها للأسوأ. فلم يسجل الإنتاج الصناعي نمواً في سبتمبر. وتفيد استطلاعات مديري المشتريات في أكتوبر بنوع من التشاؤم حيال الأشهر المقبلة. وتخفض شركات السيارات إنتاجها محلياً لتقليل المخزون. وهنا يمتد تأثير قطاع المنازل أيضاً.
فإنتاج السلع ذات العلاقة بالمنازل قد انخفض ومنها الأجهزة الكهربائية المنزلية والأثاث. لكن المتفائلين لا يأبهون بذلك، ويقولون إن سوق العمل بصفة عامة جيدة، والأجور في ارتفاع وانخفضت أسعار الوقود. وقد ارتفع الأجر بنسبة 3% بالقيمة الحقيقية، وسيظل الإنفاق متماسكاً وسوف يتعافى الاقتصاد من تراجع الربع الثالث حسب رأي المتفائلين يحمل هذا المنطق بعض القوة، غير أنه ليس هناك أدلة حتى الآن تؤيده.
فرغم ارتفاع الأجور وانخفاض سعر الوقود، ليس هناك إشارات على ارتفاع الإنفاق في أكتوبر. وتقول ميريل لينش إن 62% من متاجر التجزئة لم تحقق ما قدرته من مبيعات. وشهدت وول مارت بصفة عامة شهراً عصيباً في أكتوبر وتتوقع عدم ارتفاع المبيعات في الشهر الجاري. وقد يرتفع عدد الأميركيين الذين يدخرون الارتفاع في أجورهم بدلاً من إنفاقه، خاصة إذا كانت أسعار منازلهم تنخفض. وارتفع معدل الادخار من 8,0% في يوليو إلى ـ 2,0% في سبتمبر.
وإذا لم يرتفع الإنفاق مع اقتراب أعياد الميلاد يحتمل أن يكون الطلب في الربع الأخير من العام أسوأ منه في الربع الثالث. غير أن هذا لا يعني أن الكساد أمر حتمي.
وحتى إذا كانت البطالة في قطاع البناء والصناعة التحويلية بدأت ترفع معدل البطالة العام، فإن سوق العمل سوق يبقى متماسكاً. ومع توفر الوظائف وارتفاع الأجور لا يحتمل أن ينهار الإنفاق الاستهلاكي. وتراجع النمو وارتفاع الادخار هي نتائج أقل خطورة مما يتوقعه كل من المتفائلين والمتشائمين. غير أن هذه التطورات قد تكون هي ما يحتاجه الاقتصاد بالفعل.
ويواصل سوق العمل الأميركي تحسنه بحسب آخر إحصائيات حكومية، مع إحراز نمو الوظائف تقدماً خلال الشهور القليلة الماضية.
وانخفاض معدل البطالة إلى أدنى مستوياته منذ مايو 2001. وفي تقرير قلص المخاوف بأن النمو الاقتصادي يمكن أن يتعثر فإن وزارة العمل ذكرت أن معدل البطالة المعدل موسمياً انخفض إلى 4 ,4 في المئة من 6 ,4 في المئة في شهر سبتمبر 2006.
وذكرت الحكومة في تقديرها الأولي بأن أصحاب العمل أضافوا 92 ألف وظيفة متواضعة غير أنها عادت وعدلت ذلك بقوة بحيث تجاوزت أي مؤشرات على الضعف. وقال خبراء اقتصاديون إن الأرقام الجديدة، لشهر أكتوبر الماضي قد لا يعتد بها، أكثر من تقديرات أولية سابقة ويمكن تعديلها إلى مستوى أعلى بعد جمع وزارة العمل لمزيد من المعلومات.
وإلى ذلك قال ستيوارت هوفمان كبير الخبراء الاقتصاديين في بي ان سي فاينانشيال في بتسبورغ، إن التقرير يشير إلى أن سوق العمل مازالت مصدراً لقوة الاقتصاد.
وأضاف ان المخاوف من انحدار الاقتصاد إلى القاع، ثم نهوضه من جديد، في طريقه إلى الهبوط الاضطراري، قد لا تكون متوافقة مع هذه المعلومات الخاصة بالعمل، وكما أضاف اصحاب الاعمال المزيد من الأشخاص إلى جداول معاشاتهم، فإن الأجور بدأت في التحسن أيضا.
ولقد فاق معدل الأجر الساعي في أكتوبر، التضخم بنسبة عالية منذ أوائل 2007، وقد ساهم تقلص حجم الوقت الذي يقضيه الأميركيون خارج العمل للشهر الثالث على التوالي في إضفاء صورة على استشراف فرص العمل القوية وكحصيلة لذلك، توقع الاقتصاديون بأن يحافظ البنك الاحتياطي الفيدرالي على ثبات سعر الفائدة، مع زعم البعض بأن الخطوة التالية تسير نحو الارتفاع لا الانخفاض.
ولقد سارعت إدارة بوش، إلى المباهاة بأن انخفاض معدل البطالة، ما هو إلا دليل على ان الاقتطاع الضريبي، حفز النمو وأشاع ان استيلاء الديمقراطيين على الكونجرس قد يضر بالاقتصاد، والى ذلك، صرح روب بورتمان مدير الموازنة في البيت الأبيض، بأن الوقت حان لاستدامة الاقتطاع الضريبي، محذراً من ان النمو الاقتصادي الذي يجري الحديث عنه، سيتعرض للخطر.
ومن جانبهم لمح الديمقراطيون إلى أرقام النمو في سوق العمل الفاترة من الشهر الماضي، قد تكون مؤشرا على هشاشة الاقتصاد. مضيفين بأن الاقتطاع الضريبي الذي أقرته إدارة بوش الشهر الماضي لا علاقة مؤثرة له في أداء الاقتصاد الحالي وفي سياق متصل، قال السيناتور جاك ريد، ديمقراطي من رود ايلاند، ان نمو العمل في أكتوبر كان متواضعاً جداً لتعزيز المخاوف، حول ما إذا كانت فرص العمل ستتوسع في الشهور القادمة، مضيفاً بأن مسار سياسات الرئيس فشلت في توفير ازدهار أكبر، وضمان اجتماعي لمعظم الأسر.
ويرى محللون ان ظروف سوق العمل غير متساوية مع تراجع صناعة السيارات والإسكان خصوصا في حزام مدويست الصناعي، فيما أظهرت الحكومة ومعظم القطاعات الأخرى، قوة في مناطق أخرى من البلاد، وعلى العموم، فإن العمال هم في أحسن أحوالهم التي مروا بها منذ سنوات، وحتى وقت قريب، فإن زيادات الأجور كانت تسجل تضخماً.
ومع ازياد الأسعار البطيء، وانخفاض أسعار الطاقة، الأسعار العمومية تمضي بنسبة 2 في المئة فإن مكسب 9 ,3 في المئة في الأجور الساعية خلال السنة قبل الماضية بدأ في السير نحو الامام، وكانت الأجور الساعية ارتفعت 15 سنتاً في أكتوبر 2006 لتصل إلى 44 ,16 دولاراً حسب الديوانات الحكومية ومن جهتهم درج أصحاب الشركات على زيادة وتيرة الاستخدام أكثر من ذي قبل، ولقد زادت الحكومة من تقديراتها لنمو الوظائف في شهر سبتمبر 2006 إلى 148 ألفا، كما عدلت من أرقام شهر أغسطس من العام نفسه إلى 230 ألفا.
غير أن ثمة بوادر على ضعف محتمل خصوصاً في نمو وظائف القطاع الخاص، وقد شكلت الوظائف الحكومية العام الماضي قرابة ثلثي الوظائف المضافة المبلغ عنها، وهو مؤشر وصفه الخبراء الاقتصاديون بالمثير للقلق.
وعن ذلك قال جاريد برنشتاين، الخبير الاقتصادي في معهد السياسة الاقتصادية، وهو مؤسسة بحثية في واشنطن، ان هناك دفعة قوية في الوظائف الحكومية، مضيفاً بأننا إذا أردنا تحريك عملة التوظيف، فالمطلوب زيادة الجهد في القطاع الخاص. (وكالات)
قوة نسبية في سوق العمل الدولية
يشير خبراء إلى أن سوق العمل، قوي نسبياً، ومقارنة بطفرة التوظيف في أواخر تسعينات القرن الماضي، فإن نمو الوظائف يبقى متواضعاً نسبياً.
يقول أحدهم إن النظرة الشمولية للتوظيف في قطاعي الإسكان والتصنيع تعتريها أجواء من القتامة فقد راح المقاولون، يقتطعون الوظائف، بحيث وصل عدد الوظائف الملفات إلى 26 ألف وظيفة في شهر أكتوبر الماضي، كما ألفت شركات التصنيع التحويلية و3 آلاف وظيفة، تقودها شركات السيارات المحلية المنكمشة.
ولقد أظهرت البيانات الوظيفية الحكومية، التي تطرح في دراستين منفصلتين شهرياً، صورة مختلطة.
وأظهر المسح الإسكاني أن نمو التوظيف كان قوياً، بينما اظهر تقرير جدول الرواتب، الذي عدّل عدة مرات مؤخراً، بأنه كان أكثر تواضعاً. كما أنهما يرسلان إشارة متضاربة، خلال شهر واحد، حيث أن احدهما مبني علي سجلات الاستخدام، بينما الآخر استند على البحوث المسحية.
وثمة عوامل كالعمل المستقل، والاستخدام غير الرسمي، والأشخاص الذين يلتحقون بدائرة العمل ثم يتركونها، من شأنها أن تلعب دوراً في تشكيل ذلك الفرق. ففي شهر أكتوبر.
أشارت التقديرات الأولية إلى استحداث 92 ألف وظيفة مستقاة من دراسة مسحية و437 ألف وظيفة من مسح إسكاني.
وإلى ذلك قالت لين ريزر، كبيرة الخبراء الاقتصاديين في البنك المركزي الأميركي، إن الحقيقة تتأرجح بين الاثنين، وتابعت حتى في هذه الحالة، فإنها توصي بأن سوق العمل قوية جدا.
وفي السياق ذاته، قال ريتشارد بامارون مدير البحث الاقتصادي في ارغوس ريسرتش، إن الاحتياطي الفيدرالي لا يمكنه التفكير في خفض المعدلات، في ظل مواصلة معدل البطالة الغوص إلى الحضيض. وتابع، بأن الفيدرالي الاحتياطي لا يمكنه، ايضا تبرير المعدلات المنخفضة في هذا الجو التضخمي.
