المخرج في السينما هو المايسترو والمسؤول الأول عن مستوى الفيلم الذي يخرج إلى النور ويحمل الأفيش اسمه،

فالإخراج مهنة يحتاج كل من يسعى إلى النجاح فيها إلى الدراسة الأكاديمية التي تصقل بخبرات عملية في جو يغلب عليه الابتكارية والخلق والإبداع.

ودائماً يكون المستوى الإخراجي للفيلم هو المسؤول عن نجاحه وقدرة العمل علي التعبير عن الهدف الذي خرج من أجله الفيلم، وبغير المخرج الماهر يأتي الفيلم فاتراً ضعيفا لا اتقان فيه ولا جودة، وهذا بالفعل ما تعانيه السينما المرضية في الآونة الأخيرة، فالإخراج بات مهنة من لا مهنة له.

ظاهرة بدت مؤخراً من تعدد الأحداث التي تهدد التاريخ السينمائي المصري، بعد تحول منتجي الأفلام إلى مخرجين في سكون وهدوء مريب، وكأن المنتج صاحب المال يستطيع أن يفعل ما يروق له مادام المال في يده.

وهذا بدوره بات أمراً مخيفاً لكل محب وعاشق للسينما الجادة، فهل يقف مسؤولو نقابة المهن السينمائية مكتوفي الأيدي حيال هذا الخطر المحدق أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حرية شخصية؟ وكيف يرى صانعو السينما هذا الأمر الذي تعالت آثاره مؤخراً رغم وجوده متواكباً مع ظهور السينما في عالمنا العربي؟

يقول ممدوح الليثي نقيب المهن السينمائية: إن تحول المنتج السينمائي للعمل في مجال الإخراج أمراً ليس هينا وتخضع لقواعد وتشريعات نقابية تنظمه، فلا يمكن أن يعمل بالإخراج إلا من توافرت فيه الشروط التي أقرت من زمن مديد مضى، ومن يخالف هذه الشروط ويعمل بدون تصريح من النقابة في الإخراج يتعرض للمساءلة من قبل القائمين علي هذا الأمر بالنقابة.

وهذا بالفعل ما حدث حيال المنتج «مجدي الهواري»، الذي أخرج بدوره فيلم «55 إسعاف» بدون التصريح له من النقابة بالإخراج، ولذلك سارعت النقابة وأوقفت عرض هذا الفيلم وتم التحقيق عن طريق النقابة مع «الهواري»، وفرضت النقابة عليه بعد تحقيقات طال أمرها أن يدفع غرامة مالية ليحصل على أثرها علي تصريح بالإخراج.

يضيف: نفس الشيء حدث مع «عثمان أبو لبن»، الذي أخرج فيلما لمصطفى قمر ثم أوقفناه وترك الفيلم، ولم يعمل في الإخراج السينمائي إلا بعد حصوله على تصريح، وذلك بعد تقييمه فنياً.

أمر صعب

ويؤكد الليثي أنه لا يتم قبول عضو جديد بالنقابة في أي من فروعها إلا بعد إجراء مقابلة شخصية له وأعضاء مجلس النقابة، وبعد هذه المقابلة يتم الاتفاق بين أعضاء المجلس على إمكانية منحه ترخيص لمزاولة المهنة من عدمه، وفي الغالب تكون كل حالة متقدمه على حدة.

ولا يترك الأمر فيها لوساطات أو خلافه، ولكن قبول أعضاء جدد في فرع المخرجين يعد من الأمور الصعبة جداً للمتقدم نظراً، لأن هناك شروطاً مسبقة يجب أن تتوافر فيمن يقدم علي الحصول على ترخيص الإخراج بالذات، فالأمر صعب للغاية في هذا الفرع من فروع النقابة، ذلك لأهمية العمل الذي يقبل عليه هذا الشخص طالب الترخيص، فالإخراج يحتاج إلى دراسة أكاديمية إضافة إلى الموهبة والسمات الشخصية الابتكارية.

ويضيف: لدينا بالنقابة كليبات عديدة للحصول على عضوية النقابة فرع المخرجين، ومن بين المتقدمين للحصول علي هذه العضوية ومن ثم التصريح علي عدد كبير من المنتجين السينمائيين، إلا أن النقابة رفضت إتاحة الأمر لكل من هب ودب، بل أصرت على دراسة هذه الطلبات جيداً حماية لهذه المهنة من الدخلاء غير المؤهلين لها، والنقابة لا تتهاون أبدا من أجل تحقيق هذا الهدف الرصين.

حق ولكن !

ويرى المخرج داوود عبد السيد أنه يحق لأي شخص أن يكتب للسينما في حين لا يجوز أن يقتحم المنتجون مملكة الإخراج، لأن الكتابة مهنة حرة وبالتالى فمن حق المخرج المسرحي مثلاً أن يكتب للسينما إذا كانت لديه الموهبة، لكن أن يدخل أصحاب الفلوس سواء منتجين أو موزعين الإخراج.

فهذا ما أرفضه لأنني مخرج وأعرف أصول المهنة، خاصة أن الإخراج شيء مختلف، لكن بعد أن أصبح المنتج في الفترة الأخيرة يتحكم في كل شيء وله صلاحيات المخرج، لأنه يملك الفلوس التي توجد له بعض المخرجين، الذين يطيعون أوامره بدون عناء.

ولذلك نجد أغلب منتجي السينما يذهبون لمخرجين جدد لا نسمع عنهم من قبل من أجل أن يسيطر المنتج على الفيلم، ومن هذا المنطلق «خدمة العبد للسيد»، يعتقد أصحاب رؤوس الأموال أن الإخراج شيء سهل، طالما تحكموا في بعض الأفلام.

ويضيف مخرج فيلم «التحويلة»: إن دور نقابة المهن السينمائية هو تنظيم قواعد المهنة، فلو وافقت على التصريح للمنتجين بالإخراج لابد من التأكد من خبرة المنتج إخراجياً قبل أن يتم التصريح له، فتاريخ السينما المصرية فيه تجارب مماثلة لمنتجين تحولوا إلى مخرجين وكانوا مهرة في الإخراج، ولكن المشكلة أن يصدر هذا التصريح لكل من يملك المال ولا يملك الخبرة.

فوضى ثقافية

من جهته، يشير المخرج سيد سعيد إلى أن ما يحدث الآن جزء من الفوضي الثقافية بشكل عام، فكل شخص يرى أن من حقه أن يخرج، طالما يرى التجارب الهزيلة لمخرجين صغار مع النجوم، فهم يرون أن بعض فناني الكوميديا الجدد يتحكمون في إخراج الأفلام التي يمثلون فيها، وذلك بسبب غياب الحدود، فعندما يخرج الممثل والمنتج تصبح الحياة السينمائية فوضى.

ويضيف سعيد: هناك تجارب كثيرة لمنتجين أخرجوا أفلاماً في عصر السينما الذهبي ونجحت نجاحاً باهراً إلا أن الظروف الآن اختلفت والمنتج قديماً كان لديه خبرة فنية كبيرة، وليس مجرد شخص يملك المال ليتحكم في مسار صناعة السينما، فالآن كل شيء تبدل وأصبحت هناك فوضي، فالممثل يخرج أفلامه، والمنتج يعمل المونتاج والديكور، فيصبح المخرج بلا قيمة، ومما ضاعف ذلك هو بعض المخرجين ضعاف الشخصية، لذلك أصبحت السينما بلا اهتمام.

ويتفق معه في الرأي المخرج منير راضي، والذي يري أن ما يحدث الآن هو استمرار لحالة الهزل، التي تشهدها السينما، فالمنتج صاحب المال يري أن من حقه أن يتحكم في كل شيء، ويأتي ذلك علي حساب المخرج، خاصة مع علو أجر النجم، الذي يجعل المنتج يحضر مخرجاً صغيراً للعمل،.

وبالتالي فهؤلاء المخرجون الصغار يفرحون عند ترشيحهم لإخراج فيلم، لأنهم لا يجدون فرصة حقيقية لهم، ورغم أن هؤلاء المخرجون لا يقدمون شيئاً جديداً مبتكراً، إلا أن المنتج يشعر بالسعادة لأن الفيلم حقق إيرادات، فيقرر المنتج أن يخرج هو الفيلم بنفسه، لأنه يتخيل أن المسألة سهله، وأن أي شخص يمكن أن يقدم فيلماً من إخراجه، طالما أن المخرجين الصغار حققوا الإيرادات العالية.

ويضيف منير: إن السينما عندما أصبحت للتجار الذين يتاجرون بأذواق الناس وبالفن الجميل، فأصبح كل شيء مباح في السينما، فلا عجب بعد ذلك من حدوث أي شيء آخر، فالأمر وكل إلى غير أهله في السينما المصرية، ولابد من وقفه حاسمة.

سماسرة السينما

ويؤكد السيناريست محمد حلمي هلال أن المسألة تحولت إلى فوضي، لأن أي شخص يتصور أنه قادر على فعل أي شيء طالما أنه صاحب الفلوس ورأس المال، فعليه أن يدير المال بالطريقة التي يرغب فيها، فيتحكم في المؤلف والمخرج وكل طاقم العمل نظراً، لأنه صاحب المال، فلا يهمه المستوى الفني أو الرؤية الفنية، وغالباً هذه الأشياء لا تعني إلا سماسرة السينما فهناك جزاراً يكتب سيناريو، ومقاولاً يريد أن يخرج فيلم ويتصور الجمهور في نهاية الأمر أن هذه سينما حقيقية.

ويعتقد المنتج أنه يقدم شيئاً جيداً طالما حققت أفلامه إيرادات عاليه، وسوف تستمر هذه الفوضي وفق هلال إذا استمر الجمهور في منطقة التغييب.

ويقول الناقد السينمائي أحمد رأفت بهجت : إن هذا الأمر يرتبط بالسينما المصرية فحسب، والسينما العالمية لم تشهد أبداً مثل هذا التحول الغريب غير المبرر، رغم أن هناك منتجين قدموا أفلاماً جيدة ومهمة في السينما العالمية، وكان بإمكانهم من خلال خبراتهم بأن يصبحوا مخرجين، خاصة أنهم احتكوا بكبار المخرجين، موضحاً أنه لا يقف ضد تحول المنتج إلى مخرج.

ولكن ذلك مباحاً إذا كان المنتج دارساً للسينما وله رؤية إخراجية، فمثلاً سيناريست كبير، مثل: «وحيد حامد» إذا أخرج فيلم من ت إلى فه لن تتعجب، لأن لديه خبرات فكريه تؤهله لذلك، لكن أن يأتي شخصاً غير معروف، وليس لديه هذه القدرات الفكرية، ويقرر أن يقوم بالإخراج، لأنه منتج العمل فهذا ما أرفضه.

ويشير رأفت إلى أن هذا الشخص عادة ما يقوم بشيء من اثنين، إما أن يلجأ لما يسمى مخرج الظل أي شخص آخر يتولي الإخراج من الباطن باسم المنتج، وهذه كارثة كبيرة، وإما أن يقدم فيلماً مسروقاً أو مقتبساً على المستوي الفني، وهي كارثة أيضاً فمخرج الظل آفة سينمائية خطيرة لأنه يحاول أن يسجل اسمه في التاريخ كمخرج دون أن يفعل شيئاً.

ويضيف بهجت: إن كل المنتجين الذين قاموا بعمل أفلام من إخراجهم لم يتركوا أي علامة، حتى الذين بدأوا ذلك في السينما القديمة، والذين تحولوا من منتجين لمخرجين لم يكن هناك وقتها مناهج علمية لتدريس السينما.

وكل شيء كان مباحاً، ولذلك لابد أن يعيد هؤلاء المنتجون النظر إلى هذا الأمر، فيكون تفرغهم للإنتاج أجدى، وتاركين بذلك الفرصة للمخرجين الشباب الذين يملكون الرؤية الفنية والمهارة والتقنية التي تؤهلهم لصناعة سينما جيدة، كما كان عهدنا في الماضي القريب.

القاهرة ـ هناء عزت