برز بريان دي بالما مع نهاية ستينات القرن الماضي كواحد من المخرجين السينمائيين أصحاب الرؤية المتكاملة في عالم الفن السابع. في تلك الآونة، ترسخ فن السينما ونضج وأصبح مؤثرا بفنون شتى بعد أن تأثر في بداياته بأكثرها.

وكذلك تلك الفترة تميزت بصعود أسماء كبيرة وضخمة، كعلامات فارقة مثل ستانلي كوبريك وفرانسيس فورد كوبولا و روبرت التمان ومارتن سكورسيزي، وسواهم من أصحاب المعجزات البصرية، في زمن الاتجاهات الكبيرة في السياسة والاقتصاد والفكر. بدت السينما وعاء بحجم كوكب، يتسع لتناقضات ولقدرة تعبير عن الظاهر والمخفي، وخلع الأقنعة للشياطين القابعة في التفاصيل وللملائكة الطافية على السطح.

في هذا المناخ المضطرب والجدلي بضراوة، صعد دي بالما إلى منصة الإخراج، قادما من اختصاص دراسي بعيدا عن الفنون، فاستطاع خلال ست سنوات أن ينتج سبعة أفلام متفاوتة القيمة، ستة منها كوميديا اجتماعية وآخرها في العام (1973) فيلم «الأخوات»، أفضلها، مع أن انقلابه الأسلوبي فيه بدا واضحا ومتأثرا بسيد سينما الرعب الفريد هيتشكوك، الأمر الذي لم ينفه دي بالما في سنوات لاحقة. بعد «الأخوات» دمج دي بالما بين الكوميديا والرعب في فيلم «فانتوم اوف بارديس» (1974)، اتبعه بفيلمين بعد عامين كرساه في سينما الرعب هما «الهوس» و«كاري».

بعدها بعامين أيضا عمل مع العتيق كيرك دوغلاس في فيلم يعتبر من روائع سينما الإثارة تحت عنوان «الغضب»، ليبدأ في العام (1980) رحلته الجديدة في الدمج بين أساليب ورؤى في خلطة ساحرة للغموض والرعب والخوف والإثارة بفيلم «دريسيد تو كيل» مع الممثلين مايكل كاين وانجي ديكينسون.

بعدها بسنة قدم فيلما متواضعا يقوم على غموض جريمة قتل من بطولة جون ترافولتا بعنوان «بلو اوت»، إلى أن أفضى تعاونه مع اوليفر ستون إلى احد الأعمال النادرة في السينما العالمية «سكار فايس» من بطولة الباتشينو رجل العصابات وميشال بفايفر و زوجته المدمنة على المخدرات.

هنا إشارة إلى ابتعاد دي بالما عن الغموض في هذا العمل مع أن طبيعة الحكاية كانت تتحمل بعضا منه. إلا أن أكثر التفسيرات اعتبرت ان فجاجة كتابة السيناريو الذي قام به ستون اجبر دي بالما ان يعدل من اتجاهاته، لكن الجواب الحقيقي يبقى «غامضا» ولا يمتلكه غير دي بالما ذاته. وقد يكون فيلمه الفاشل «دوبل بادي» في العام التالي على إنتاج «سكاير فايس» يحمل إجابة أوضح عن تمسك دي بالما بأسلوب ما والتخلي عنه والعودة إليه، أحيانا في تجديد وأحيانا أخرى بتكرار قاتل.

عام (1986) فشل آخر لبريان دي بالما في فيلم «الرجال الحكماء» الكوميدي من بطولة داني دافيتو. ثم ينتفض بعد سنة واحدة من كبوته ، بفيلم «المحصنون» مع شين كونري وكيفن كوستنر، الفيلم الذي يعتبره كثيرون من أفضل ما قدم دي بالما في تاريخه، ألحقه بفيلم ممتاز تحت عنوان «إصابات الحرب» من بطولة مايكل جي فوكس وشين بن. يعود إلى الفشل مرة أخرى لدي بالما مع «مشعل فينينتيز» .

و«رايسينغ كاين»، ثم ينتفض من جديد في «كارلوتس واي» مع الباتشينو للمرة الثانية وشين بن، الذي ختم فيه انجازاته في السينما فما تلاه لم يكن ذا شأن، وصولا إلى آخر أفلامه «ذا بلاك داليا» الذي افتتح فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي ونافس بقوة على جائزة «الأسد الذهبي» .

ولم ينلها بالطبع، لأسباب تتعلق بالغموض الذي أغدقه على الفيلم بمناسبة أو بلا مناسبة، حتى بدا العمل يسقط بأفخاخ يصر عليها مخرجه عنوة وحشرا وتضخيما بلا طائل، أفقدت «بلاك داليا» الكثير من جماليات كوادره الكبيرة التي يحسن تصنيعها دي بالما بلا شك، ولكنه كلما قام بتوسيع الكادر كلما انسل إلى حيز من الغموض يسقطه كحجر من علياء ارتفع إليها كريشة.

دبي ـ حسين قطايا