استعرض مجلس إدارة جمعية الإمارات للتأمين في اجتماعه مؤخراً في دبي التصور النهائي لمشروع قانون في شأن التأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات وذلك تمهيدا لرفع مشروع القانون الذي أعدته الجمعية إلى وزارة الاقتصاد.

وتشير مذكرة توضيحية استعرضها مجلس الإدارة إلى انه تم توحيد وثائق التأمين على السيارات التي تصدرها شركات التأمين العاملة في الدولة بموجب القرار الوزاري الصادر عن معالي وزير الاقتصاد والتجارة رقم (54) لسنة 1987 حيث تم اعتماد وثيقتين:

٭ وثيقة تأمين سيارة (مركبة) ضد المسؤولية المدنية.

٭ وثيقة تأمين سيارة (مركبة) ضد الفقد والتلف والمسؤولية المدنية.

وحدد العمل بهما اعتبارا من 1/1/ 1988. وقد أدخلت على الوثيقتين، منذ ذلك التاريخ، تعديلات عديدة.

كما صدر خلال هذه الفترة القانون الاتحادي رقم (21) لسنة 1995 في شأن السير والمرور الذي أصبح نافذ المفعول اعتبارا من 4/ 3/ 1996. كما صدرت اللائحة التنفيذية المتعلقة بالقانون المذكور.

وقد نصت المادة (26) من قانون السير والمرور رقم 21 لسنة 1995 على ما يلي:

»يشترط لترخيص اية مركبة ميكانيكية، أو تجديد ترخيصها طبقا لأحكام هذا القانون ان تكون مؤمنا عليها لمصلحة الغير على الأقل، ويجوز لمن أصابه ضرر جسماني بسبب استعمال السيارة الرجوع مباشرة على شركة التأمين بالتعويض«.

ولقد تم تعديل مبلغ الدية الشرعية من مبلغ قدره 35.000 درهم إلى 70.000 درهم ثم إلى 150.000 درهم وأخيراً إلى 200.000 درهم وذلك اعتبارا من شهر »ديسمبر« من سنة 2003.

التطبيقات العملية

أظهرت عملية المراجعة، ان جميع أطراف العلاقة بالتأمين الإلزامي وحتى غير الإلزامي للسيارات قد التزمت بشكل دقيق بأحكام وشروط وثيقتي التأمين المعتمدتين، فشركات التأمين العاملة في الدولة أظهرت التزاما كاملا بنصوص الوثيقتين وبتعريفة الأسعار التي قررتها وزارة الاقتصاد والتجارة

كما ان جمهور المؤمن لهم قد تمسكوا بالحقوق والالتزامات الناشئة عن الوثيقتين. كما ان القضاء في الدولة اعطى، في السنوات الأولى، تفسيرات متوازنة لنصوص وثيقتي التأمين كما انه اصدر، في السنوات الأولى، أحكاما متوازنة من حيث مقدار التعويضات التي يستحقها المصابون أو ورثتهم دونما مبالغة أو تقتير.

الاتجاهات الجديدة للقضاء

ومع ذلك برزت، خلال السنوات الأخيرة، اتجاهات قضائية في محاكم الدولة اقل ما يقال عنها أنها أثرت على التوازن بين الحقوق والالتزامات بالنسبة للاطراف ذات العلاقة بعملية التأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات، هذه الاطراف هي: المؤمن لهم، الأغيار المصابون، شركات التأمين، من هذه الاتجاهات ما يلي:

1- إبطال بعض الشروط الواردة في وثيقتي التأمين من حوادث المركبات ويتمثل هذا الاتجاه في اعتبار بعض شروط وثيقتي التأمين باطلة وذلك وفقا لأحكام المادة (1028) من قانون المعاملات المدنية رقم 5 لسنة 1985 ونصها هو الآتي:

يقع باطلا كل ما يرد في وثيقة التأمين من الشروط التالية:

أ‌- الشرط الذي يقضي بسقوط الحق في التأمين بسبب مخالفة القوانين إلا إذا انطوت المخالفة على جناية أو جنحة عمدية.

ب‌- الشرط الذي يقضي بسقوط حق المؤمن له بسبب تأخره في إعلان الحادث المؤمن منه إلى الجهات المطلوب إخبارها أو تقديم المستندات اذا تبين ان التأخير كان لعذر مقبول.

ج ــ كل شرط مطبوع لم يبرز بشكل ظاهر اذا كان متعلقا بحالة من الأحوال التي تؤدي إلى بطلان العقد أو سقوط حق المؤمن له.

د ــ شرط التحكيم اذا لم يرد في اتفاق خاص منفصل عن الشروط العامة المطبوعة في وثيقة التأمين.

هــ ـــ كل شرط تعسفي يتبين انه لم يكن لمخالفته اثر في وقوع الحادث المؤمن له«.

ولم يسعف شركات التأمين القول بان نصوص وثيقتي التأمين وضعتها وزارة الاقتصاد ولم تضعها شركات التأمين إذ ان المحاكم تعتبر وثيقة التأمين، وهي كذلك، وثيقة تعاقدية يستطيع القضاء ان يخضعها لاحكام المادة (1028) المذكورة بصرف النظر عن الجهة التي وضعتها.

وهكذا تأثر التوازن الذي يفترض ان يكون متوفرا في العلاقات التعاقدية كما ارادته الجهة الرسمية التي وضعت نصوص وثيقتي التأمين المذكورتين.

2- المبالغة في مقدار التعويضات التي أخذت بعض المحاكم تحكم بها على شركات التأمين لصالح المصابين أو ورثتهم من ذلك ما يلي:

ـ عدم اعتبار الدية تعويضا كاملا عن الإضرار التي تصيب الورثة بل يتم الحكم بالتعويض بالإضافة إلى الدية.

ـ الحكم بتعدد الديات عن الإصابة الواحدة حيث حكمت إحدى محاكم الدولة لشخص أصيب بسبب حادث سيارة تخلفت لديه حالة عجز كلي دائم بـــ (9.5) ديات (بمعدل ــ / 200.000 درهم لكل دية) أي ــ/ 1.900.000 درهم زائدا ـــ / 300.000 درهم كتعويض أضرار مادية، بما مجموعة ــ / 2.200.000 درهم.

3- عدم الانسجام بين مقدار التعويضات التي تحكم بها المحاكم بالرغم من تقارب الوقائع أي ان تباينا كبيرا جدا في مقدار التعويضات التي تحكم بها هذه المحكمة أو تلك بالرغم من ان الوثائق تكاد تكون متقاربة.

4- عدم اخذ الخطأ الذي يرتكبه المصاب في حالة وفاته بنظر الاعتبار عند البحث في مبدأ المسؤولية، وبعبارة أخرى فان الحكم يصدر على شركة التأمين بدفع كامل التعويض بالرغم من ان المصاب المتوفى كان قد ارتكب خطأ جسيما مما يستدعي تقسيم المسؤولية على أساس الاشتراك في الخطأ ومن ثم في المسؤولية.

ولم يكن القضاء ليتجه هذا الاتجاه لولا علمه بوجود عقد تأمين ووجود شركة تأمين بدليل انه على حالة عدم وجود عقد تأمين لدى قائد المركبة مسبب الضرر فان مقدار التعويض يختلف كليا عن الأرقام التي أخذت تحكم بها المحاكم.

والأسباب التي توجب ان يشرع قانون خاص للتأمين من المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات في الدولة، تتركز في ان الغالبية العظمى من الدول، بما فيها الدول العربية (والخليجية)، أصدرت قوانين خاصة تعالج موضوع التأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات،

ولا يصح ان تبقى دولة الإمارات، وهي التي قامت بتحديث قوانينها بل انها في مقدمة الدول التي شرعت القوانين في ميدان التكنولوجيا، لا يصح ان تبقى الدولة بدون قانون خاص يعالج هذا الموضوع.

ـ انه اذا كان الاتجاه لدى القضاء هو إبطال العديد من الشروط والأحكام الواردة في وثيقتي التأمين فان إصدار تشريع خاص بالموضوع أصبح أمرا ضروريا بل وملحا وذلك من اجل إعادة التوازن إلى العلاقات التعاقدية بين الاطراف ذات العلاقة أي ان القضاء سيجد امامه قانونا خاصا له الأولوية على القانون العام وهو قانون المعاملات المدنية.

ان المبالغة في تقدير التعويضات التي تحكم بها المحاكم قد أدى إلى فقدان التوازن بين الكلفة والأسعار بالنسبة لشركات التأمين وخصوصا ان الأسعار محددة بقرار من وزارة الاقتصاد.

فإذا استمر الحال على هذا المنوال فان شركات التأمين مضطرة لتعديل أسعارها نحو الارتفاع، فان لم تستطع تحقيق ذلك بسبب التحديد المقرر فان هذه الشركات ستكون في مأزق وقد وصلت بعض الدول إلى هذا الوضع مما اضطرها إلى تعديل قوانينها.

ان اختلاف المبالغ التي تحكم بها المحاكم كتعويضات بالنسبة لوقائع قد تكون متشابهة أو متقاربة يدل على عدم وجود أسس وقواعد تستهدي بها المحاكم عند الحكم بالتعويضات. ان هذا الأمر يؤدي إلى شعور بعض المصابين أو ذويهم بالغبن في حين ان البعض الآخر قد يستلم تعويضات أكثر مما يستحق فعليا،

ولا يقتصر الأمر على المصابين بل ان شركات التأمين لا تعلم على وجه التقريب مقدار المبالغ التي ستلزم بدفعها وذلك من اجل اخذ الاحتياطات المالية عند إعداد ميزانياتها العامة السنوية.

كما ان شركات إعادة التأمين العالمية التي توفر أغطية إعادة التأمين لشركات التأمين أخذت تطالب بل وتفرض وضع حد أعلى لمسؤولياتها ضمن اتفاقيات إعادة التأمين على أساس أنها ترى ان المسؤولية غير المحدودة يجب ان تقابلها موارد غير محدودة وهذا غير متاح بالنسبة للشركات لذلك فإنها تطالب بتعديل، بل انها قامت بتعديل، اتفاقيات إعادة التأمين من ناحية إدخال حدود معينة لمسؤولياتها.

لكل هذه الأسباب أصبح صدور تشريع خاص يعالج هذا الموضوع أمراً ملحا على مستوى الدولة وذلك من اجل إعادة التوازن إلى العلاقات القانونية لجميع الاطراف ذات العلاقة وقيام القضاء بتطبيق أحكام قانونية ملزمة للجميع.

وتتلخص الملامح الرئيسية لمشروع القانون المرفق تتلخص بالاتي:

1- ان المشروع يستند إلى ذات المبادئ القانونية الأساسية للمسؤولية المدنية التي تبنتها التشريعات المدنية لدولة الإمارات وبشكل خاص الأركان الرئيسية الثلاثة للمسؤولية المدنية وهي الخطأ والضرر والعلاقة السببية.

2- ان المشروع أبقى على الحقوق الكاملة لذوي العلاقات في حوادث المركبات من مصابين وورثتهم تجاه فاعلي الضرر مسببي الحوادث.

3- مسؤولية شركة التأمين محددة بمقدار دية شرعية واحدة في حالة الوفاة أو العجز الكلي الدائم. أما في حالة العجز الجزئي الدائم فبنسبة هذا العجز إلى مقدار الدية.

4- كما ان شركة التأمين ملزمة، إضافة إلى التعويض المذكور، بدفع مصاريف العلاج الطبي في حدود 20% من مبلغ الدية.

5- وفي الحوادث التي لا يتخلف عنها عجز فان التعويض عن الضرر يتحدد من قبل المحكمة بما لا يتجاوز 15% من مبلغ الدية.

6- في حالة وفاة المصاب خلال سنة من تاريخ الإصابة فيستحق الورثة التعويض المذكور في البند (3) أعلاه أو ان يتم إكمال ما دفع سابقا ليصل إلى هذا الحد، بشرط ان تكون الوفاة نتيجة مباشرة للإصابة.

7- مسؤولية شركة التأمين عن الأضرار المادية التي تلحق الغير محددة، كما هو جار حاليا، بالمبلغ الذي يتم تصديره في اللائحة التنفيذية.

8- يحتفظ المتضررون أو الورثة بكامل حقوقهم في مواجهة المؤمن له بالنسبة للاضرار التي تتجاوز مبلغ التعويض المستحق على شركة التأمين. وبامكان المؤمن لهم الحصول طبقا، على وثيقة تأمين تغطي مسؤوليتهم فيما جاوز الحدود المقررة بموجب مشروع القانون.

9- وتجديد آخر أتى به المشروع وهو عدم جواز إعطاء توكيل خاص بقبض مبلغ التعويض الا بمقتضى توكيل خاص موثق صادر بعد الحكم المحدد لمبلغ التعويض.

10- كما ان المشروع أشار إلى حالة اشتراك أكثر من مركبة واحدة في التسبب بالحادث.

11- وضمن المشروع حق المضرور أو ورثته في إقامة دعوى مباشرة ضد شركة التأمين دون أن تسري في مواجهتهم الدفوع التي يجوز لشركة التأمين ان تتمسك بها في مواجهة المؤمن له.

12- وقد أضاف المشروع، إلى الحالات التي يجوز فيها لشركة التأمين الرجوع إلى المؤمن له أو قائد المركبة، حالة ما إذا تجاوز قائد المركبة الإشارة الضوئية الحمراء أو السير عكس اتجاه السير العام.

13- ونص المشروع على انه يمكن، بقرار من مجلس الوزراء إنشاء صندوق ضمان لتعويض المصابين (أو ورثتهم) بسبب حوادث مركبات في حالتين:

ـ عدم معرفة المركبة المسؤولية عن الحادث أو عدم معرفة قائدها.

ـ عدم وجود تأمين على المركبة لصالح الغير.

14 ـ كما أشار المشروع إلى صدور لائحة تنفيذية من اجل تسهيل تنفيذ أحكام القانون.هذه هي الملامح الرئيسية لمشروع القانون المرفق.