في وسط كفرشيما تلك البلدة اللبنانية الرابضة على تلة خضراء من تلال جبل لبنان، تنتصب مكتبة روبير الصفدي منذ العام 1983، وهذه المكتبة التي أضحت معلماً فنياً، تضم خمسة ملايين أسطوانة تعود إلى ما بين العامين 1900 و1965 جمعها الباحث اللبناني روبير الصفدي على مدى أربعين عاماً، أمضاها متنقلاً بين مصر وسوريا والكويت ولبنان، يتقفى آثار الفن علّه يفلح في إنقاذ ما خلّفه عمالقة الغناء من الاندثار،عربون وفاء وتقدير لعظمتهم وجهودهم.

وروبير الصفدي مؤرّخ موسيقي وباحث فني وهو مستودع الحكايات الفنية المشوقة التي تضم وثائق واعترافات ومذكرات وذكريات لأهل الفن، حيث استطاع أن يؤرّخ للموسيقى والغناء العربيين،منذ طفولته، أحس روبير الصفدي بميل غريب نحو الفن والموسيقى، ربما لأن والده كان عازفاً على الكمان والمندولين وزوج خالته الفنان الراحل حليم الرومي، وكان رئيس الدائرة الموسيقية في الإذاعة اللبنانية. في حوار مشوق، كشف الصفدي لـ «البيان» حكايته مع الفن والموسيقى والعمالقة:

* كيف كانت انطلاقتك نحو تأسيس هذه المكتبة الفريدة من نوعها؟

- اشتريت في التاسعة عشرة من عمري مسجلة وأسطوانة «يا مسافر وحدك» للموسيقار محمد عبدالوهاب، فكانت الشرارة الأولى التي مهدت لدخولي في دهاليز الفن والتنقيب فيها.

وبدأت الأسطوانة تهيئ للآخرين، وكان كلما ازداد دخلي المالي، ازداد بالمقابل عطائي للمكتبة، حتى تمكنت في نحو 20 سنة من ضم مجموعة عبدالوهاب كاملة من أول أغنية له عام 1911 حتى آخر أغنية عام 1991 قبل وفاته بأربعة أشهر.

وتختزن الأسطوانات أيضاً مجموعة أم كلثوم كاملة من أولى أغنياتها لأحمد صبري التجريدي حتى آخر أغنياتها للموسيقار عبدالوهاب الذي أعطاها أول أغنية وهي في ال66 من عمرها.

وأكملت رحلتها الفنية معها وختمتها «ودارت الأيام» من أروعها، هذا بالإضافة إلى أكثر من 500 أغنية للموسيقار والمطرب فريد الأطرش،و 205 أغنيات للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ،ونحو 1000 أغنية للشحرورة صباح، وأكثر من 1000 أغنية للسيدة فيروز.

* هل حصولك على كل هذه الأسطوانات والتسجيلات كان سهلاً؟

- بالإرادة والصبر تحقق كل ما تصبو إليه، بحثت كثيراً وكنت أحياناً أتنقل بين العواصم العربية والأوروبية للحصول على تسجيل نادر، وأذكر أنني ظللت أبحث عن أغنية ل«عبد الوهاب» طيلة خمس سنوات حتى وجدتها بمساعدة زميل لي في الشركة، وهو علي عبدالله ابن أخت اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر بعد ثورة يوليو.

وهذه الأغنية هي السابعة من مجموعة عبدالوهاب الوطنية قبل الثورة بعنوان: «قالوا لي إيه الشباب» من كلمات الشاعر صالح جودت، وقد وجدتها في القاهرة في شركة «أوريون».

* يروى أنه كان هناك خلاف بين الملحن زكريا أحمد وأم كلثوم؟

- اختلف زكريا أحمد مع أم كلثوم عام 1944 بسبب عدم دفعها له بدل أتعابه، وقد طال هذا الخلاف مدة طويلة إلى أن تدخل الرئيس جمال عبدالناصر ووفق بينهما، فكان آخر لقاء في العام 1961 لأغنية «هو صحيح الهوى غلاب»، وكانت آخر أغنية يلحنها زكريا أحمد في حياته.

* ماذا عن خلاف كوكب الشرق أيضاً مع محمد القصبجي؟

- كانت تسود بينهما حالة فتور، لأن القصبجي تطوع لوضع ألحان مجموعة كبيرة من أغنيات أسمهان، وكانت أم كلثوم ترفض التطور في الألحان، وكان هذا منحى القصبجي الذي اعتمدته أسمهان، وكانت أغنية أسمهان «يا طيور» من تأليف يوسف بدروس سبباً في إشعال الخلاف بين أم كلثوم والقصبجي.

* هل صحيح أن غيرة أم كلثوم من أسمهان أدت إلى قتلها؟

- ليست أم كلثوم من قتلت أسمهان، رغم أنها كانت تغار منها، أما الاتفاق على قتلها فقد تم بين الملكة نازلي وبين صاحب فيلم أسمهان «غرام وانتقام»، حيث دبرت مكيدة للتخلص منها.

* ماذا كان يقول حليم الرومي عن الأخوين رحباني؟

- قال حليم في مذكراته وبخط يده إن عاصي ومنصور الرحباني صورة حيّة للعلم والذكاء، والموهبة عندهما تخترق الجدار في سبيل التجديد والابتكار لتصنع ما يعرف اليوم باسم مدرسة الرحابنة الموسيقية، وأعمالهم ستكون خالدة للأبد.

وقال الرومي عن فيلمون وهبي إنه موهبة فطرية كفيض الشلال قاربت العلم قواعده وأصوله، فانعكست في ألحانه مسرحاً وجمالاً أسعد الملايين، من خلال أسلوب صياغتها القائم عفوياً على فلسفة السهل الممتنع.

* ما سر حبك الكبير لـ «عبدالوهاب»؟

- عبد الوهاب غير مجرى الموسيقى العربية التي كانت عبارة عن آلة العود والقانون والإيقاع والناي، ففي العام 1933 في أغنية «الوردة البيضاء» كانت الفرقة الموسيقية عبارة عن ستة أشخاص، وقد أدخل عبد الوهاب آلة «الفيولونسيل» لأول مرة في الفرقة عام 1928 في أغنية «في الليل لما خلي» لـ «أحمد شوقي».

كما أن عبد الوهاب حدد الأغنية بمذهب وثلاثة مقاطع، كما حدد وقتها وموضوعها، ما أدّى إلى ثورة في الأغنية العربية عام 1927، وخصوصاً في أغنيتي «خدعوها»، و«أحب أشوفك»، وغيرها.. وأدخل أيضاً التصوير الإيقاعي مثل أغنية «إجري إجري» ومن النواحي التطويرية التي أدخلها عبد الوهاب في الأغنية هي «المونولوغ» ثم آلة الغيتار ثم البيانو ثم «السيريناد».

صحيح أن عبدالوهاب هو المحبب إلى قلبي، منذ أن تعرفت عليه في منزل حليم الرومي، كنت أطرب لحديثه ولشخصيته ولألحانه، وأذكر في هذا المجال أنه أثناء زيارته منزل حليم الرومي، كانت زوجته تستمع إلى صوت عبدالوهاب، فبادرها هذا الأخير بعصبية بإطفاء الراديو.

بعد هذه الحادثة علمت من السيدة نهلة زوجته أنه كان لا يطيق سماع صوته، وأنه لم يعجب بعمل أنجزه. لذلك لم يحتوِ منزله على أسطوانة واحدة له طيلة حياته. وبعد وفاته قمت بتزويد السيدة نهلة بأعماله الكاملة.

وبالنسبة لشخصية الموسيقار في عبدالوهاب، فإنه كتلة إحساس ويعد صاحب القدرة الفنية الكبيرة وصاحب الصوت الشجي الذي أطرب الملايين، وجعل للموسيقى العربية مكانتها في الرقعة العالمية.

حيث قدم روح الشرق بقالب جميل وممتع. وما لا يعرفه الناس أن عبد الوهاب اتفق مع أم كلثوم في أواخر أيامها على تقديم مشروع فني مشترك هو «أوبريت»: «مجنون ليلى» واستغرق الأمر مناقشات مطولة، وبدأ التحضير لتقديم العمل الذي تكتّما عنه، لكن الظروف حالت دون إتمامه بسبب رحيل «كوكب الشرق».

* هل صحيح أن المنافسة حالت دون لقاء عبد الوهاب بأم كلثوم في بداياتهما؟

- حالت المنافسة الفنية دون لقائهما في بداية حياتهما الفنية، واستمر الوضع حتى العام 1964، أم كلثوم كانت متربعة على عرش الطرب النسائي وكذلك كان عبدالوهاب مطرب الملوك والأمراء متربعاً على عرشه.

وفي العام 1964 أصدر الزعيم الراحل عبد الناصر أمر لقاء عبد الوهاب بأم كلثوم، وكان على اتصال شبه يومي بهما، فكانت أم كلثوم تقول للرئيس: «اسأل عبدالوهاب عن اللحن»، ويسأل عبد الناصر عبدالوهاب، فيرد بأنها لم تحضر له الكلمات بعد، إلى أن كانت أغنية «أنت عمري».

* ماذا عن صداقتك للراحلة نور الهدى؟

- كنا نزور بعضنا يومياً، وكانت تستشيرني في كل صغيرة وكبيرة، وتعتبرني الأخ والصديق وأنا على إلمام بكل تفاصيل حياتها.

* كنت دائماً الضيف المقيم في بيت حليم الرومي وسط كبار المطربين والملحنين.. لا بد أن أحداثاً مرّت وما زالت أصداؤها حيّة معك حتى اليوم؟

- أحداث كثيرة، كانوا ينادونني «يا حارسون» وكنت سعيداً باللقب وحتى اليوم ما زلت أخدمهم بإصراري على نشر إبداعاتهم في كتاب هو الأول من نوعه في الوطن العربي. أتذكر فيه المشاوير الليلية في درب القرية بحثاً عن متطلبات كان يصعب إيجادها بسهولة في تلك الفترة.

* بعد هذه التجربة الطويلة كيف ترى فن اليوم؟

- مستحيل أن نقارن بين فن اليوم والأمس، فهل ما نسمعه اليوم هو مرآة شبابنا؟ لا أظن ذلك، ومن يدّعي ذلك يروج للانحطاط بكل أشكاله.

فعندما كنت أتردد على الإذاعة اللبنانية أثناء عمل أبي فيها، كان هناك لجنة للكلمة مؤلفة من الشعراء عبد الجليل وهبي، أسعد سابا وأسعد السبعلي هي التي تقر كلام الأغنيات، وإذا كانت الأغنية بالفصحى تعرض بعد ذلك على مدير الإذاعة فؤاد قاسم، أما الألحان فتعرض على كارنيك كازجيان ونقولا المني، ويقرها الملحن حليم الرومي.

وبعد أن يسجل المطرب الأغنية، يقدم خالد أبو النصر اليافي تقريراً لحليم الرومي عن إحساس المطرب، كيف غنّى، ومتى؟ ثم يقرّر إذا ما كانت الأغنية صالحة لأن تبث أم لا. لذا لا تصلح المقارنة بين فن اليوم لا من قريب ولا من بعيد، نحن اليوم نسمع أقزاماً، وأنا عاشرت وسمعت وصادقت عمالقة. ولكن هناك بعض الاستثناءات مثل نجوى كرم ومعين شريف وملحم بركات.

* أخيراً ماذا استفدت من كل هذه التجربة؟

- لم أقصد يوماً الربح المادي، ويكفيني أنني عملت على حفظ ثروتنا الموسيقية والغنائية لأشعر بغبطة داخلية، وأنني أديت رسالتي كما طلب مني محمد عبدالوهاب وكانت ثقته كبيرة بي في سعيي لتأريخ وتوثيق الموسيقى العربية.

بيروت ـ رانيا غانم