اختتمت الليلة الماضية في قصر رام الله الثقافي، الدورة الثانية لمهرجان سينما المرأة في فلسطين، حيث كرمت مؤسسة «شاشات» المخرجات الفلسطينيات اللواتي شاركن في مهرجانها هذا العام، وهن: إيناس المظفر، وديمة أبو غوش، وروان الفقيه، وشيرين سلامة، وعلياء أرصغلي، وغادة الطيراوي، ولاريسا صنصور، وليانة بدر، وليانا صالح، وناهد عواد، ونجوى النجار، وندى اليسير.
وعرض في الحفل الختامي للمهرجان فيلم «آخر أيام ياسر عرفات»، (77 دقيقة)، للمخرجة شيرين سلامة، الأسترالية من أصل فلسطيني، التي توجهت إلى رام الله في العام 2003، من أجل الحصول على سيرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لأهميتها، ولكن محاولاتها للقاء عرفات باءت بالفشل، لكن المخرجة شيرين أعادت الكرّة في السنة التالية، وبعد شهرين من الانتظار، حصلت على الموافقة وقابلت عرفات، لمدة 20 دقيقة، حيث كانت هذه المقابلة بحكم القدر، آخر مقابلة أجراها عرفات، والتي يستفسر خلالها الرئيس الراحل عن أهل شيرين، وجذورها الفلسطينية وتواصلها مع هويتها.
وفي الفيلم نرى محاولة المخرجة سلامة التعرف على هويتها الفلسطينية، ومعنى اللحظة التاريخية التي تشارك فيها شعبها همومه ومآسيه، وفي الأيام التي تلت المقابلة، وبينما عرفات على فراش المرض، تسجل شيرين كل ما يحدث في المقاطعة: الجو المتأزم، البيانات المتناقضة من المحيطين به، ما أسمته جشع وسائل الإعلام الدولية، وحزن وقلق المواطنين الفلسطينيين. ويعتبر هذا الفيلم الذي يحظى الآن باهتمام عال من محطات التلفزة الدولية، توثيقاً مهماً للجو الفلسطيني العام خلال أيام عرفات الأخيرة، وقد أنتج الفيلم من قبل التلفزيون الأسترالي. ويتميز الفيلم بالحميمية والعمق، في محاولة لتأريخ هذه الأحداث التاريخية لحظة حصولها.
وقد ميز هذا التفاعل السينمائي مع التاريخ الحديث للوطن، معظم الأفلام التي عرضتها مؤسسة «شاشات» في اختتام مهرجانها الثاني «سينما المرأة في فلسطين» لمخرجات فلسطينيات وعربيات. وقد أثارت الأفلام نقاشاً وحواراً مستفيضاً بين الجمهور والمخرجات حول الهوية والوطن، وخصوصاً في ما يتعلق برؤية المرأة المخرجة للتاريخ المركب، والبعيد عن الشعارات، في محاولة لاستكشاف معنى الهوية والوطن، وإمكانيات اللغة السينمائية في التعبير عن قضايا جوهرية تمتزج فيها العوالم الداخلية للمخرجات مع الهم العام الذي يتعرضن له في أفلامهن .وأثار فيلم «الطريق إلى البيت»، للمخرجة غادة الطيراوي، وهو محاولة شخصية لمعالجة مفاهيم وجودية تخص الفلسطينيين، كالمنفى والعودة وصورة الوطن، عدة تساؤلات لدى الجمهور حول معنى الوطن ـ حلم الوطن وواقع الوطن ـ في فيلم الطيراوي.
وقالت الطيراوي: «إن الصورة التي رسمتها عن الوطن في فضاء الحلم غير الوطن الواقع».وناقش الجمهور المستويات المضمونية والتعبيرية التي استخدمتها المخرجة لتروي قصة الشتات الفلسطيني والحرمان من الهوية، وقيمة الفيلم في مسار السينما الفلسطينية، باعتباره أول فيلم يتناول قضية العائدين، ويطرح همومهم وأحلامهم من دون مواربة. أما فيلم ديمة أبو غوش «رند».
فقد نجح في تسليط الضوء على قضية الإضراب التي تلامس الهم اليومي للفلسطينيين، من خلال رند، ذات الخمسة عشر عاما، التي أخذت بحل مشكلتها بشكل شخصي. وفي فيلم «حبل الغسيل»، للمخرجة علياء أرصغلي، والذي يشكل معالجة جديدة لاجتياح رام الله، فهو بمثابة رحلة في نفسية لامرأة، تمتزج فيه عدة تعابير للقوة ـ تلك التي تحكم علاقة الرجل والمرأة وتلك التي يفرضها المحتل. وفي نص مختصر، لهذا الفيلم الشبه صامت، أرادت المخرجة القول إن علاقات القوة تولد نقيضها، فالإنسان لا يرضى بالانهزام، بل يبحث في الذات عن ممرات هروب، وطاقات انشراح، تحدد ملامح عالم يقلب علاقات القوة على عقب.
أما فيلمها الثاني «بعد السماء الأخيرة»، الذي يناقش قضايا رئيسية في الهم الفلسطيني من خلال القصة المؤثرة لثلاث نساء ـ امرأة فلسطينية من القرية الفلسطينية المدمرة «كفر برعم» في الجليل الأعلى، وامرأتين إسرائيليتين، من «الكيبوتس») المستعمرة) المبني على أراضي القرية، فيبحث في تطور العلاقة بين النساء الثلاث، وإمكانية استيعاب هوية تسمح بإمكانية العيش في دولة ثنائية القومية.
هذا الفيلم، الأول من نوعه في السينما الفلسطينية، يسجل شهادات واعترافات حيّة من داخل «الكيبوتس»، ويسرد رحلة البحث عن الذات والهوية والوطن، رغم محاولات الطمس والتهويد.
أما فيلم «بركات»، للمخرجة الجزائرية جميلة صحراوي (90 دقيقة) وإنتاج العام 2006، الجزائر ـ فرنسا، فقد أثار نقاشاً حول أسلوب المخرجة السينمائي، حيث نوه المشاهدون بأهمية تركيزه على التواصل بين جيلين من النساء الجزائريات، وسرد تاريخ الجزائر من خلال عيون النساء، من خلال معايشتهن لحقبتين من التاريخ الجزائري ـ واقع حرب التحرير والحرب الأهلية.
وقد فاز فيلم «بركات» بجائزة أفضل فيلم روائي (المهر الذهبي)، وقيمتها 50 ألف دولار، في مهرجان دبي السينمائي، كما فاز مناصفة مع الفيلم المصري «قص ولصق» بجائزة أحسن فيلم عربي في مهرجان القاهرة الدولي للسينما.
وأشاد رئيس لجنة التحكيم، الممثل السوري القدير دريد لحمام، بجرأة وشجاعة المخرجة جميلة صحراوي، لتناولها موضوعاً حساساً مطروحاً على الساحة العربية.
غزة ـ ماهر إبراهيم