لم يتمكن العام 2006 من تكرار اصطلاح »الذهب« الذي تزينت به أسواق المال المحلية في العام الماضي، بعد سلسلة الانتكاسات التي منيت بها مؤشراتها وأسعار أسهمها على مدار 12 شهراً بشكل شبه متواصل، لتعود من حيث بدأت في نهايات 2003.
فعلى الرغم من حملة التوقعات التي أطلقها المراقبون والمحللون في مرحلة سبقت تصحيح يوليو 2005 والذي كان فاتحة التراجع في الأسواق، إلا أن التوقعات التي صبت في قلب انخفاضات من شأنها تقليص جملة المكاسب التي تمكنت الأسواق من تحقيقها في الأشهر السابقة، لم تقف عند ذلك الحد، إذ فقد المستثمرون والشركات الاستثمارية والمحافظ معظم أرباحه، إن لم تتآكل رؤوس أموالهم معها.
التحليلات لم تحصر أسباب التراجع في علة واحدة، بل وعلى كثرتها بات من الصعب جمعها والبرهنة على إحداها نظراً لما تمثله مجتمعة من حلقات متشابكة لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى.
أحد العوامل التي أثر المراقبون اعتبارها محركاً رئيسياً، هي المستويات والنسب المالية الأساسية التي بلغتها أسهم الشركات المدرجة في سوقي أبوظبي ودبي الماليين، سواء من حيث مكررات الأرباح المبالغ فيها، أو نسبة القيمة السوقية إلى العائد، أو القيمة السوقية إلى القيمة الدفترية،
وهو الأمر الذي فطن له عدد من المستثمرين بغض النظر عن كونهم مؤسسات أو أفراد، هو الأمر الذي توافق في الوقت نفسه مع عدد من التوجهات الاستثمارية التي نظر إليها البعض على أنها مجدية وذات عوائد مجزية،
ليقوموا بعمليات تسييل طالت مراكز أسهم، الأمر الذي دبّ الخوف في قلوب صغار المستثمرين الذين انطلقوا بسرعة الريح أملاً في اللحاق بمركب النجاة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أموالهم، ولكن...
لم تبلغ الأسعار في حينها تلك المستويات المتدنية، أو القاسية التي من شأنها اعتبار الأمر الحاصل وضعاً مخيفاً أو مخيباً للآمال والأحلام. وبدأت هذه الرحلة تحديداً عقب اقتراب سعر إعمار في مطلع نوفمبر 2005 من سعر 28 درهماً والذي انحدر منه باتجاه السعر 25 درهماً،
والمثال المضروب في هذا المقام جاء نظراً لاعتباره السهم القيادي في سوق دبي، ومؤشراً للسيولة المتوافرة في الأسواق بالنسبة لجميع المستثمرين في سوقي دبي خاصة وأبوظبي عامة نظراً لأحجام تداوله المتواضعة بالإجمال.
في مارس الماضي، دخلت الأسواق منعطفاً جديداً على صعيد السيولة، حق عليه القول القديم المتجدد، ولكن أي قديم متجدد هذا، فبعد تقلص مستويات وهوامش الربح التي كانت على جدول حسابات المستثمرين منذ بداية 2006، دخلت شركتا تمويل والاتصالات المتكاملة على جبهة المواجهة وسحب السيولة التي دفعت السوق للاستغناء عن مكاسبه التي حاول المحافظة عليها بطريقة أو بأخرى.
826 ملياراً للاكتتابات الأولية
كان العام 2006 على موعد 3 اكتتابات رئيسية فقط، بلغت قيمتها مجتمعة 826.6 مليار درهم، إذ قامت بشركة تمويل بسحب 266.6 مليار درهم من سيولة الأسواق في الطرح الأولي العام لأسهمها تمهيداً لإدراجها في سوق دبي المالي، و370 مليار درهم أخرى لاكتتاب الاتصالات المتكاملة
، وهو ما يعادل بالتالي أكثر من ثلثي القيمة السوقية لـ»أبوظبي ودبي« في حينه، والتي سجلت حتى نهاية مارس 720 مليار درهم، الأمر الذي دفع المراقبين لاعتباره سبباً وجيها في تدني أحجام التداول من جهة،
واستئناف أسعار الأسهم رحلة هبوطها إلى مستويات أكثر تدنياً، أثرت بدورها على أرباح شركات التأمين التي كانت تعتمد بالأساس على أرباحها الدفترية المحققة من خلال المحافظ الاستثمارية الخاصة بها،
ولكن وكما يقال (مصائب قوم عند قوم فوائد)، فالبنوك عموماً حققت نتائج مالية طيبة في الربع الأول على غرار عمليات التمويل التي نفذتها لصالح المستثمرين، بغض النظر عن حجم التجاوزات التي قامت بها من خلال تخطي السقف المسموح به ضمن قوانين المصرف المركزي،
ولكن الإنجاز يكمن في تمكن المصارف من تحقيق شيء في هذا الربع بعد تراجع وانحسار موجة اللعب على المكشوف، واقتراض المستثمرين للمتاجرة بالأسهم في السوق،
ولكن في الوقت ذاته كانت النكسة التي أعقبت مارس في ابريل ومايو عندما اجتاحت الأسواق موجة تسييل عارمة على غرار انحدار المؤشر السعودي الذي اختلف المحللون في تفسير تبعاته على الأسواق المحلية سواء كانت نفسية أو مادية ولكن النتائج والإحصائيات الصادرة عن إدارات الأسواق أكدت على أن تداولات السعوديين ليست بذلك الحجم القادر على التأثير في السوق،
ولكن عودة المحافظ والصناديق التابعة للبنوك وشركات التأمين إلى مرحلة إعادة التوازن من جانب، والتسييل الإجباري لحصص المستثمرين وأسهمهم المرهونة بسبب تخلفهم عن الوفاء بالتزاماتهم كانت سبباً مقنعاً وأساسياً، في توجه السوق نحو الأسفل.
من جهة أخرى، لم تتوقف موجة الاكتتابات الأولية عند هذا الحد فقد تصادفت عملية الاكتتاب على أسهم سوق دبي المادي ـــ الذي قام بطرحه العام في نوفمبر جمع قرابة 190 مليار درهم ـــ مع مرحلة هبوط جديدة بدأت مع مطلع الشهر ذاته،
ولكن المراقبين قللوا من قدرة هذا الاكتتاب على قيادة السوق إلى التراجع، مستشهدين بوضعية انحسار عامة وملموسة من جانب سيولة الكبار وجمود المضاربين وعدم إظهارهم النية للخوض في غمار المنافسة كي يتسنى لهم التأكد من أن السوق والمؤشر قد أخذا مدى الانخفاض الطبيعي والذي لا عودة له قبل عودتهم هم للاستثمار والشراء فيه.
قوانين وتطورات
لم يكن العام 2006 مليئاً بالنشاط بقدر ما كان مليئاً، إذ قامت الأسواق تحت مظلة الهيئة باستغلال حالة شبه الركود المسجلة، والانخفاض الموازي لها، لتعيد هيكلة نفسها من جديد، بعد فورة التطورات التي عاشت الأسواق على وقعها خلال العام 2005، وكان على رأس هذه التغييرات، مشروع قانون التداول على الهامش، ومشروع قانون الحوكمة،
وتفعيل آلية عقاب الشركات المتخلفة عن الإفصاح، ولعب دور أساسي في حل المنازعات، والرقابة على الوسطاء، والشركات، فضلاً عن التحكم بآلية عمليات رفع رؤوس أموال الشركات، والسماح للشركات بشراء 10% من أسهمها، والتدخل في التداولات اليومية ومراقبة تحركات الأسعار والمستثمرين لإيقاف محاولات التلاعب، فضلاً عن قيام سوق دبي المالي بتغيير مؤشراته وطريقة احتسابها بشكل جذري.
الأداء السلبي
ولعل الحدث الأهم في العام 2006، خسارة الأسواق أكثر من 40% من قيمتها السوقية عقب بلوغها مستويات متدنية لم تعهدها منذ عام 2004، إذ انحدرت أسعار الأسهم المتداولة إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، ولم تتمكن عمليات التحليل الفني المتفائلة إلى حد ما، أو التحليلات الأساسية التي أظهرت جابية الأسواق،
وبلوغها أكثر المستويات إغراء من توفير الدعم اللازم للمستثمرين، سواء كانوا محليين، أو خارجيين، من الدفع باتجاه ارتداد حقيقي وملموس على غرار ارتداد شهر أغسطس والذي لم يتمكن مواصلة طريقه وتوفير الدعم اللازم للمؤشرات والمستثمرين،
بسبب تكرار مسلسل السوق السعودي الذي عاد للانخفاض ملقياً بظلاله على الأسواق المحلية مجدداً، وهو ما ثبت من خلال تحليل الجلسات اليومية التي عانت من الجمود في الافتتاح حتى يتوافق التوقيت مع افتتاح السوق السعودي، وبناء عليه يتحرك المستثمرون في الاتجاه نفسه!
جاذبية الأسعار
تبقى حقيقة واحدة مفادها أن أسواق المال المحلية، ما زالت تمثل أقوى اقتصادات المنطقة، وأكثرها متانة، وما يحدث في الواقع اعتبره المحللون بالاجتماع أمراً طبيعياً ونتاجاً مفروضاً عقب سلسلة الارتفاعات المتلاحقة واللا متناهية، وهو يبرر عودة السوق إلى مستويات متدنية،
لتكون درساً وعبرة لا تنسى، ولا تغتفر في الوقت ذاته، ولتشكل منهاجاً لجميع الأطراف للمرحلة المقبلة، فالأسعار الآن في أفضل مستويات الدخول، وقيمتها تكاد تكون أكثر من مغرية للاستثمارات طويلة ومتوسطة الأجل،
وما هي إلا دعوة للجميع بالتفكير بعمق، وأخذ الوقت في اتخاذ قراراتهم الاستثمارية، واستشارة أهل الخبرة، وانهاء مرحلة القطيع التي اعتاد الصغار عليها، وتفويت الفرصة على أصحاب الشائعات، والالتفات إلى ما يمكن اعتباره عقلانية، وترو.
أرباح
رغم سلسلة الانخفاضات المتتالية، إلا أن اجمالي أرباح الشركات أظهرت بالعموم نوعاً من النمو، فالظروف تغيرت والمقاييس انقلبت على رأسها، فالبنوك والتأمين خسرا الكثير في محافظهما وصناديقهما، والبقية سجلوا تفاوتاً في النتائج،
فالتوقعات كانت سبّاقة بالنسبة لطبيعة الأداء المرتقب نظراً لعدد من العوامل على رأسها عمليات رفع رؤوس الأموال، التي لم ولن توفر الدعم اللازم للشركات لتتمكن من تحقيق نسب نمو جديدة، نظراً للعبء المالي الذي يشكله رأس المال مقابل الأرباح بخلاف العام 2005.
وتمكنت الشركات الخاسرة في الربع الأول، والتي أظهرت تراجعاً في أدائها، من استدراك الأمر وخطورة الموقف، لتغير منهجية أعمالها بالتركيز على نشاطها التشغيلي مثل البنوك وشركات التأمين بشكل خاص، وهو ما ساعد المستثمرين على التفتح وإظهار نوع من الوعي تجاه الحقبة المقبلة.
دبي ــــ سمير حماد