تحول القضاء على البطالة أو الحد من نسبتها في تونس خلال عام 2006 إلى ما يشبه الهاجس والاستحقاق الوطني لدى مختلف الأطراف، باعتبار ان هذه المهمة هي أحدى ابرز ركائز التّوازن الاقتصادي والتطوّر التنموي. وتجمع مختلف الأوساط السياسية والاقتصادية التونسية
على أن البطالة باتت اليوم من أهم التّحدّيات التي تواجه تونس بغض النظر عن النجاحات المحققة في المحافظة على نسق تطوّر كل مؤشرات التّنمية الاقتصادية والاجتماعية برغم محدودية الموارد الطبيعية للبلاد، وتقلبات الوضع الاقتصادي الدولي، وارتفاع أسعار النفط، واشتداد المنافسة في الأسواق الخارجية.
وأكدت هذه النّجاحات التي أقرّت بها تقارير الهيئات والمؤسسات الدولية، أهمية موضوع البطالة الذي يوصف في تونس بــ»المعضلة الحقيقية«، حيث لا يخلو أي خطاب سياسي من الدّعوة إلى ضرورة الإسراع في البحث عن أفكار جديدة لامتصاص آلاف العاطلين عن العمل من مختلف الشرائح العمرية.
غير أن هذا الإجماع الذي يعكس إدراكاً عميقا لمعضلة البطالة لم يمنع من بروز بعض التّباينات في الآراء ووجهات النّظر لجهة تشخيص أسبابها، وسبل مواجهة تبعاتها السياسية، وأعبائها الاقتصادية، وانعكاساتها الاجتماعية والتّربوية والثّقافية، وتأثيراتها المتزايدة على تماسك المجتمع.
وتقول الحكومة التونسية انها ليست غافلة عن أهمية هذه المعضلة، وانها تعتبر العمل من »أولوياتها المطلقة الذي رفعته إلى مستوى التّحدي بجعله من مقوّمات حقوق الإنسان وفق مقاربة أساسها التّلازم بين الاقتصادي والاجتماعي«.
وتؤكد أنها نجحت في تغيير مؤشرات البطالة نحو النزول منذ العام 1978 حيث تمكّنت في تسعينات القرن الماضي من تحقيق انخفاض تدريجي في نسب البطالة على رغم تزايد الضغط الديموغرافي للشريحة العمرية ما بين 18 و40 عاما.
وترى أنها استطاعت بفضل نسب النمو الاقتصادي التي حقّقتها، معالجة هذه المشكلة من خلال خلق فرص عمل جديدة غطت بها الطلبات الإضافية الموجهة نحو سوق العمل، لتستقرّ نسبة البطالة خلال عام 2006 في حدود 13% مقابل 15% عام 1991
ومع ذلك فإن السلطات قللت من خطورة هذه المشكلة، إذ اعتبر رئيس الوزراء التونسي محمد الغنوشي، أن البطالة في بلاده »ليست بالمزمنة، لأن نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل لا تتجاوز مدة بطالتهم السنة الواحدة.
وفي المقابل،لا يتردّد الأمين العام السابق للحزب الديمقراطي التّقدمي التونسي (حزب معارض معترف به) أحمد نجيب الشابي في وصف البطالة في بلاده بـ »العاهة والظاهرة »التي »ساهم انكماش الاستثمار في تزايد ارتفاع نسبتها«.
وتعوّل السّلطات التونسية على الاستثمار الأجنبي لبعث المشاريع الجديدة التي من شأنها المساعدة على امتصاص ارتفاع نسب البطالة ودفع العجلة الاقتصادية، إذ أكّد وزير التّنمية والتّعاون الدولي التونسي محمد النوري الجويني تطوّر الاستثمار الأجنبي في بلاده خلال العام الحالي بنسبة 31% بالمقارنة مع النّتائج المسجّلة خلال العام الماضي.
ومن جهته، رأى عضو المكتب السياسي لحركة التّجديد التونسية (الحزب الشيوعي سابقا) البرلماني عادل الشاوش أنه على رغم النتائج التنموية الايجابية التي حققّتها تونس خلال عام 6002، فان معضلة البطالة »بقيت مستعصية على الحل«. وحذّر من أن نسبة البطالة التي بقيت مرتفعة في حدود 41% »مرشحة إلى مزيد من الارتفاع اذا لم تتطوّر نسبة النمو السنوية من 5% حاليا إلى أكثر من 6% على الأقل«.
ويرى مراقبون أن تزايد التّدفق العددي الكبير على سوق العمل من بين الشرائح العمرية الشبابية، سيعمق معضلة البطالة في تونس،حيث يتوقّع أن يتجاوز معدل طلبات العمل الإضافية 80 ألفا، إلى جانب تزايد التّدفق العددي لخريجي الجامعات على سوق العمل.
وبحسب الشابي، فان مواجهة هذا التّحدي يستوجب من الدولة الاهتمام أكثر فأكثر بالفئات والشرائح التي تأثرت بعمليات الخصخصة، وإعادة التّأهيل الاقتصادي لبعض المؤسسات، من خلال ضمان اندماجها من جديد في سوق العمل، إضافة إلى بعث صندوق للتّأمين عن البطالة، وتسهيل مسالك البحث عن فرص العمل لخريجي الجامعات.
وبهذا الرأي، يقترب الشابي كثيرا من موقف الاتحاد العام التّونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية) الذي لم يتوقف منذ سنوات عن الدّعوة إلى ضرورة بعث صندوق للعاطلين عن العمل يكون على غرار الصناديق المعمول بها في بعض الدول الأوروبية.
غير أن السلطات التونسية لا توافق على هذا الرأي، وترى أن إقامة مثل هذا الصندوق قد يساعد على الكسل والجمود، ولكنها تؤكّد في المقابل أنها ليست غافلة عن التّحدّيات النّاجمة عن ارتفاع عدد خريجي مؤسسات التعليم العالي الذي بلغ 50 ألفا عام 2006، والذي يتوقّع أن يبلغ 100 ألف عام 2014.
وترى أنه على رغم أن ظاهرة ارتفاع عدد خريجي التّعليم العالي غير مطروحة بحدّة كبيرة في تونس مقارنة مع بقية الدول الأخرى باعتبار أن نسبة هؤلاء من بين طالبي العمل لا تتجاوز 7%،
فان الحكومة مع ذلك، أقرّت جملة من الآليات لمواجهتها مثل إنشاء الصندوق الوطني للتشغيل، وآليات تمويل يقدّمها بنك التّضامن الوطني لتشجيع خريجي الجامعات على بعث مؤسّساتهم الخاصّة.