قال محللون إن دول البلطيق الثلاث ستتذكر عام 2006 بأنه العام الذي أدركت فيه مخاطر الاعتماد على الطاقة الروسية. فمن اللحظة التي قطعت فيها شركة غازبروم إمدادات الغاز عن أوكرانيا في بداية العام بسبب خلاف على الرسوم، أصبح اعتماد دول البلطيق على إمدادات الطاقة الروسية مصدر القلق المهيمن على المنطقة.
ورغم عضويتها منذ عام 2004 في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فإن دول البلطيق من الناحية المادية مرتبطة بشكل أكثر قرباً مع روسيا منها عن الغرب. فشبكات الطاقة الخاصة بها مرتبطة بشبكات الاتحاد الروسي وليست مع الاتحاد الأوروبي مما يجعلها «جزيرة طاقة» داخل الاتحاد الأوروبي. وأدى اتفاق العام الماضي بين ألمانيا وروسيا لبناء خط أنابيب يربط بينها تحت بحر البلطيق إلى تدعيم الشعور بالعزلة لدى دول البلطيق فيما أعرب السياسيون في تلك الدول أن هذا المشروع سيسمح لموسكو بقطع إمدادات الطاقة عنها كما فعلت مع كييف. كما أن أحداث هذا العام غذت الشكوك بأن روسيا تنوي استغلال عزلتهم للضغط على السياسيين والاعمال من أجل زيادة نفوذها في الدول التي كانت تتبعها من قبل.
وأعقب أزمة الغاز الأوكرانية في الربيع الخلاف القانوني المرير حول ملكية مصفاة تكرير النفط الوحيدة في منطقة البلطيق والتابعة لشركة تكرير النفط الليتونية مازيكيو نافتا .
وكان طرفا هذا النزاع هما شركة يوكوس الروسية العملاقة للنفط التي تملك مازيكيو نافتا وشركة روزنيفت للنفط الحكومية الروسية. وفي مايو أعطت محكمة في نيويورك ليوكوس الحق في بيع مازيكيو نافتا وبعد أيام قليلة أعلنت صفقة مع مصفاة التكرير البولندية بي كيه إن أورلن. ولكن بعد شهرين فإن خط الأنابيب الوحيد الذي يغذي مازيكيو نافتا حدث به تسرب مفاجئ وأغلق. وبعد خمسة أشهر لم يستأنف العمل به ويصف الكثيرون في البلطيق الاغلاق بأنه عقاب للسماح للبولنديين بشراء مصفاة التكرير.
وكما هو الحال مع الغاز والنفط دقت أجراس الخطر أيضا بشأن مستقبل إمدادات الكهرباء. فمعظم الطاقة الكهربائية في دول البلطيق يتم توليدها حالياً في محطة طاقة نووية بنيت في العصر السوفييتي في لجنالينا في ليتوانيا وهي توأم المفاعل النووي المشؤوم في تشيرنوبيل. وطبقا لشروط معاهدة انضمام ليتوانيا إلى الاتحاد الأوروبي يجب إغلاق مفاعل لجنالينا بحلول عام 2009. ومن المتوقع أن يؤدي الغلق إلى نقص خطير في طاقة توليد الكهرباء بالبلطيق وهو الشيء الذي تنظر إليه الدول الثلاث الآن بحذر.
وإذا كان عام 2006 أصبح العام الذي قفز فيه أمن الطاقة إلى صدارة جدول أعمال دول البلطيق فإنه أيضا العام الذي اتخذت فيه أول الخطوات لضمان توفر هذه الطاقة. ففي فبراير وافقت حكومات البلطيق من حيث المبدأ على بناء مفاعل نووي جديد في موقع مفاعل لجنالينا وهو مشروع أشاد به المحللون المحليون باعتباره خطوة جادة نحو استقلالية الطاقة. وفي الصيف اتفقت ليتوانيا والسويد على دراسة جدوى إنشاء كابل كهربائي يربط بين البلدين. وفي ديسمبر وقعت بولندا وليتوانيا اتفاقا تاريخيا لإنشاء خط كهرباء يربط بينهما. وفي ديسمبر دشنت إيستونيا وفنلندا كابلا كهربائيا يربط بينهما وهو أول جسر من البلطيق (الجزيرة) يربطها بأوروبا. ويمول المشروع جميع شركات الطاقة الثلاث في دول البلطيق الثلاث بالتنسيق مع شركتين فنلنديتين.
وبدأ الدبلوماسيون أيضا في التطلع إلى الطاقة. وهذا العام دفعت دول البلطيق نحو إقامة علاقات أوثق مع دول مثل : كازاخستان وأذربيجان باعتبارهما مصادر بديلة محتملة للإمدادات.
ولكن رغم كل هذا النشاط لا تزال دول البلطيق تواجه مشاكل طاقة خطيرة. وأولها ان أي منشأة نووية جديدة يمكن أن تدخل على الخط حوالي عام 2013 أي بعد أربعة أعوام من غلق لجنالينا.
ومع اعتبار الغاز الروسي يعد مصدراً أساسياً للتدفئة وتوليد الكهرباء في دول البلطيق فإن سيطرة موسكو على مصادر الطاقة في البلطيق يبدو أنها ستبقى لسنوات مقبلة . وهكذا فإن عام 2006 هو العام الذي استيقظت فيه دول البلطيق على مشكلة الطاقة. ولن تتذكره على انه العام الذي حلت فيه المشكلة. (وكالات)