هل تصلح حياة أية فنانة عربية لأن تكون رواية أدبية ؟

لا شك أن أية فنانة شهيرة تمثل جيلها ومرحلتها السياسية ولونها الاجتماعي وثقافة مرحلتها وذائقة مجتمعها، وبالنتيجة هي شاهدة عصر ومرحلة؛ كأية شخصية اجتماعية تؤثر وتتأثر بالمحيط الذي تنشأ فيه وتتفاعل معه، لاسيما وأن حضور الفنانة في الميدان اليومي يكون؛ أحياناً؛ أبلغ من حضور السياسي في التأثير الاجتماعي العام.

فنانة العراق الأشهر في الأربعينات «سليمة مراد» هي زوجة الفنان الأشهر عربياً في حقبتها «ناظم الغزالي» خضعت لمشرط الروائي المهاجر ز نعيم قطانس في رواية جديدة صدرت مؤخراً كشفت فيها حقبة الثلاثينات العراقية وهي حقبة تكاد تكون مخفية في الأدبيات السياسية والفنية عموماً .الرواية أخذت من سليمة مراد مادتها الأساسية وبَنَتْ عليها حبكتها الفنية؛ فهذه الفنانة التي ذاع صيتها كثيراً وغنت في ملاهي بغداد التي كانت يوم ذاك نوادي ليلية رفيعة المستوى والذوق، حتى إن أم كلثوم حين زارت بغداد وقتها لم تجد من تغني معه غير سليمة مراد!

من خلال حياة هذه الفنانة؛ روائياً؛ ينكشف المجتمع العراقي، وتنكشف العلاقات الخفية في أركان المجتمع السياسي، وتنكشف قصة حب مجهولة لسليمة مراد بأقصى درجات الوضوح، وهي قصة حب مؤلمة وقاسية، كشفت الدور الخفي للدولة الثلاثينية الفتية من خلال أركانها القوية وهي (الشرطة) وما استتبع ذلك من انتهازية سلطوية في الطرْق على السمعة الاجتماعية والحاجة المادية والحماية العسكرية في صراع بغدادي مثير بين البقاء من عدمه، بين الوصول إلى النجاح أو الانكفاء والفشل. ولم يكن المؤلف غافلاً وهو يستعيد عراق الثلاثينات عن التحولات الكبيرة التي رافقت نشوء المَلَكية وتكوين الدولة والصراعات المستترة بين الأجنحة السياسية وعوراتها الكثيرة وربط العراق بأحلاف عسكرية وسياسية؛ وبين هذا وذاك كانت سليمة مراد تتحرك في ليالي الطرب وتنتشر أصداء نجاحاتها، لتكون تحت عيون السلطة، وتجد نفسها منخرطة في العمل (السياسي) دون أن تدرك ذلك، فتخاطر وتغامر وتستفيد من علاقاتها الواسعة وتنجح في نهاية المطاف في مشاهد من التقلبات السياسية والفنية لا حصر لها.

ما أريد أن أتوصل إليه: كيف يمكن استثمار حياة فنانة عربية في عمل أدبي يكون شهادة جريئة على عصرها؟ وهل لدينا أمثلة معينة لكيفية الدخول إلى عالم الفن من باب الرواية وكشف المستور من المجتمعات العربية في حقب بعينها؟ أظن أن حياة أم كلثوم كافية لأن تكشف مراحل عريضة من حياة المجتمع المصري في تحولاته السياسية لو وُظفت روائياً، وأظن أن الفنانة أسمهان كانت شاهدة على عصرها والتي قيل عنها أنها كانت مرتبطة بجهاز المخابرات المصري آنذاك! كذلك وفاة الفنانة سعاد حسني أو مقتلها أو انتحارها هو ورقة روائية رابحة بيد الروائي الحاذق، ويمكن أن يكون الأمر مع الفنانة ذكرى التي قتلها زوجها في ظروف غامضة وهذه الحادثة لوحدها تنجح كرواية درامية فيها الكثير من اللبس والتعقيد والكشف، وإذا استتبعنا الأمر جيداً، سنرى أن حادثة موت الأميرة ديانا هي حادثة سياسية ما تزال أوساط الشرطة الفرنسية تعيد وتنقب في أوراقها والى وقت قريب؛ لذلك فالحفر في خصوصيات المشاهير من الفنانين هو حفر اجتماعي/ سياسي على وجه الخصوص، وحياة الفنانين السرية منها والعلنية لابد وأن تصبح مشاعة لأنها تمثل وجهات نظر مجتمعية في أوقات مختلفة.

waridbader@yahoo.com