أكد معالي الدكتور محمد خلفان بن خرباش وزير الدولة لشؤون المالية والصناعة، رئيس مجلس إدارة بنك دبي الإسلامي في حوار شامل مع (البيان الاقتصادي) أن عام 2006 كان عاماً محورياً بالنسبة للبنوك العاملة في الدولة من حيث إنه اختبر صحة الرؤى التي تنطلق منها هذه البنوك واستراتيجياتهم وقراءاتهم للأسواق، وتوقع أن تعيد بعض المؤسسات المالية النظر في سياساتها مع التحول إلى التركيز على العمليات المصرفية الأساسية بدلاً عن الاعتماد على عوائد العمليات المرتبطة بقطاعات اقتصادية محددة، وشدد خرباش على إيجابية هذا التحول معتبراً أنه يصب في مسيرة تقدم القطاع المصرفي في الدولة.
كما توقع أن تستمر المنافسة بين البنوك في عام 2007 لصالح المتعاملين، وأن تعمل البنوك على تعزيز منتجاتها المصرفية مستفيدة من البنية الأساسية الموجودة وآليات السوق الحر وتنامي معدلات الشفافية والمحاسبة والرقابة.
وقال خرباش إن الأمر كان مختلفاً بالنسبة إلى بنك دبي الإسلامي حيث حققت كافة المؤشرات المالية للبنك ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، في إشارة إلى نجاح إستراتيجية البنك القائمة على تنويع المنتجات والخدمات بما يتناسب مع التطور الاقتصادي الحاصل في مختلف القطاعات في الدولة. وتأكيد نجاحه في الارتقاء بنوعية الخدمات التي يقدمها، وتوفيقه في تقديم حلول مصرفية ومالية متخصصة للشركات.
وقلل خرباش من المخاوف التي يثيرها تطبيق معايير اتفاقية بازل2 على القطاع المصرفي في الدولة، مؤكداً أن البنية التحتية المتطورة والقدرات التقنية الممتازة التي تتمتع بها المؤسسات المالية في الإمارات سوف تسهل عليها أمر تطبيق هذه المعايير وبالتالي سوف تستفيد من مميزاتها في رفع مستويات الأمان والدقة والفعالية في إدارة المخاطر التشغيلية وقياس مخاطر الائتمان. وإلى نص الحوار:
٭ ما الأسباب وراء تحقيق بنوك الإمارات لأرباح قياسية في العام الماضي، وبرأيكم هل نجح القطاع المصرفي في تحقيق نمو متواصل خلال هذا العام؟
ــــ استفادت المصارف الوطنية خلال العام الماضي من انتعاش سوق الأسهم ونمو الاقتصاد الوطني للدولة وارتفاع أسعار النفط وتدني أسعار الفائدة، إضافة إلى عودة الكثير من رؤوس الأموال من الخارج، وزيادة معدلات الادخار والودائع، وكذلك حركة جذب الاستثمارات التي قادتها القطاعات الرئيسة وفي مقدمتها القطاع العقاري والتجارة والصناعة والخدمات. كل هذا ساهم في ارتفاع صافي أرباح البنوك الوطنية من 7.2 مليارات درهم بنهاية عام 2004 إلى 15.8 مليار درهم بنهاية عام 2005 بنسبة زيادة بلغت 119.4%.
أما بالنسبة إلى العام الحالي، فإنه وفقاً للبنك المركزي تراجعت أرباح البنوك العاملة في الدولة منذ بداية العام وحتى أكتوبر بنسبة 5% مقارنة مع أرباح الفترة نفسها من العام الماضي، هذا التراجع كانت نتيجة طبيعية لتأثير سوق الأسهم في بعض المؤسسات التي قد تكون بشكل مباشر أو غير مباشر مكشوفة لتأثيرات التصحيح في الأسواق المالية في المنطقة الذي بدأ في نهاية العام الماضي وتسارع في أوائل 2006.
وفي اعتقادي أنه رغم هذا التراجع الحادث في الأرباح إلا أن مؤشرات البنوك خلال هذا العام جيدة وحققت نمواً كبيراً، وفقاً لتصريحات البنك المركزي، فقد زاد إجمالي الودائع بنسبة 3.16% منذ بداية العام ولغاية نهاية أكتوبر 2006 مقارنة مع 5.426 مليارات درهم حجم هذه الودائع نهاية أكتوبر 2005. فيما زاد إجمالي التسهيلات بنسبة 2.29% من 379 مليار درهم إجمالي التسهيلات نهاية أكتوبر العام الماضي، كما ارتفعت الموجودات بنسبة 25.1% من 9.624 مليارات درهم نهاية أكتوبر 2005. وهذه الأرقام تشير بوضوح إلى نجاح القطاع المصرفي في تحقيق نمو متواصل.
٭ هل تتوقعون أن تتجاوز المصارف الهبوط الحاد الذي شهده سوق الأسهم ؟
ـــــ لقد أظهرت بعض الدراسات التفصيلية أن قروض المستثمرين في الأسهم تمثل أقل من عشرة في المئة من حجم القروض المصرفية، من ناحية أخرى فإن تراجع السوق حالياً يؤشر إلى أن حركته التصحيحية وصلت نهايتها تقريباً، إضافة إلى أن التراجع في حركة السوق يعود جزء منه إلى سوق الإصدارات خلال العامين الماضيين، مما انعكس سلبياً على حركة السوق هذا العام بعد ارتفاعه الكبير خلال عام 2004 وحتى منتصف 2005. وفي هذا المجال، لا بد من الإشارة إلى أن الهبوط الذي شهدته الأسواق المالية لم يترك فعلياً أثراً كبيراً على البنوك.
٭ ما توقعاتكم لأداء القطاع المصرفي خلال العام القادم بالنظر إلى العام الحالي؟
ــــ إن عوامل النمو مازالت موجودة، وأهمها السياسات الاقتصادية المتقدمة التي تتبعها الدولة، ووجود بيئة اقتصادية واستثمارية متميزة، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط والتوقعات باستمرار ارتفاعه، وكذلك النشاط الكبير الناتج عن النهضة العمرانية التي تشهدها الدولة، يمكن للمصارف الوطنية أن تستفيد من هذه العوامل ومن الخبرات التي اكتسبتها في سبيل تطوير أداء القطاع المصرفي في الدولة، وهو في رأيي جدير بذلك وقادر عليه.
وربما يكون مفيداً في هذا الصدد ما أشار إليه تقرير أصدره مؤخرا صندوق النقد الدولي، حيث يقول إن زيادة الإيرادات المالية لصادرات الطاقة قد ساهمت في تقوية مراكز المصارف في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة ودولة الإمارات بصفة خاصة.
من هذه المعطيات وغيرها فإنني أتوقع أن تستمر المنافسة بين البنوك في عام 2007 لصالح المتعاملين، حيث ستعمل البنوك على تعزيز منتجاتها المصرفية في سوق حر يتجه نحو زيادة الشفافية والمحاسبة والرقابة، وهو أمر أتوقع أن يسهم في إحداث نمو جيد في الاتجاه السليم للوصول إلى صناعة مصرفية متقدمة تستفيد من البنية الأساسية الموجودة وتستفيد كذلك من الودائع الكبيرة بطريقة مجزية، وتهتم بابتكار منتجات وخدمات تنافسية مع الحفاظ على نوعية الأصول وزيادة الاعتماد على العمليات المصرفية الأساسية.
٭ تشير تقديرات إلى أن نسبة الديون المعدومة والمشكوك في تحصيلها ارتفعت إلى ما يعادل 5% من إجمالي الائتمان المصرفي. ألا ترون في ذلك مؤشرا خطرا، وكيف يمكن للبنوك إبقاء مثل هذه الديون في نطاق السيطرة؟
ـــــ إن تحقيق البنوك لأرباح استثنائية جعل من السهل عليها تخفيف نسبة ديونها المعدومة، كما أن نسبة الديون المعدومة تنخفض نسبياً نتيجة للطفرة الاقتصادية التي تشهدها الدولة. فالمعروف أن الديون المعدومة تزيد في حالة الركود الاقتصادي وتنخفض في حالة الانتعاش الاقتصادي.
٭ من المعروف أن بازل 2 تؤثر بشدة على البنوك الصغيرة فهل تعتقدون أن بنوك الإمارات مؤهلة لتلبية معايير بازل 2 ؟
ـــــ الهدف من اتفاقية بازل2 هو سد الثغرات التي كانت اتفاقية بازل1 تسمح بوجودها، بحيث تساعد البنوك على الاحتفاظ بحجم رأس المال الأمثل نسبياً لزيادة مقدرتها قدرة على مواجهة الخسائر وكذلك على المنافسة، ولاشك أن تحديد الحجم الأمثل لرأس المال الواجب على أي بنك الاحتفاظ به يمثل تحدياً تنبغي مواجهته بطريقة علمية دقيقة.
هذه المقدمة ضرورية للحفاظ على نبرة موضوعية عند الحديث عن اتفاقية في أهمية بازل2، إلا أنها لا تنفي أن المصارف والمؤسسات المالية سوف تواجه تحديات للتوافق مع معايير هذه الاتفاقية حيز التنفيذ، ولكن ما يهمنا في هذا الصدد هو أن البنية التحتية المتطورة والقدرات التقنية الممتازة التي تتمتع بها المؤسسات المالية في الدولة سوف تسهل عليها أمر تطبيق هذه المعايير وبالتالي سوف تستفيد من مميزاتها في رفع مستويات الأمان والدقة والفعالية في إدارة المخاطر التشغيلية وقياس مخاطر الائتمان. فقط سوف يختلف حجم التحديات من بنك لآخر وفقاً لحجم رأس المال وسهولة زيادته ومدى توفر نظم المعلومات القادرة على مواكبة التغييرات، ودرجة المرونة وسرعة الاستجابة للتغييرات التي تفرضها المعايير الجديدة.
٭ بدأ العديد من البنوك المحلية في تطوير خبرات ومهارات اقتصرت في السابق على اللاعبين الدوليين الأجانب الكبار في السوق، كيف تقيمون أداء بنك دبي الإسلامي في هذا المجال؟
ــــ بنك دبي الإسلامي هو صاحب الدور القيادي الأهم في تطوير سوق التمويل الإسلامي، وذلك من خلال قيادته وإدارته لعمليات تمويل إسلامية هي الكبرى والأولى من نوعها، وصلت قيمتها الإجمالية إلى ما يقرب من 100 مليار درهم.
كما تأكدت ريادة بنك دبي الإسلامي في قيادة إصدارات الصكوك في العالم حين تصدر المركز الأول عالمياً لإصدارات الصكوك منذ بداية عام 2006، وذلك وفقاً لتصنيف أعدته وكالة »بلومبرج« للأنباء الاقتصادية، حيث قام بإدارة إصدارات صكوك جعلته يحتل مركز الصدارة عالمياً باستحواذه على نسبة 20.8 % من حصة السوق لإصدارات الصكوك على المستوى العالمي.
وبالطبع فإن هذه الإنجازات من شأنها أن شجعت ومازالت تعمل كحافز للمؤسسات والهيئات الحكومية وشبه الحكومية الأخرى للاستفادة من حلول التمويل الإسلامي.
٭ وكيف تقيمون أداء بنك دبي الإسلامي خلال عام 2006 ، وإلى أي حد ترون أن البنك نجح في تنفيذ خطط توسع رئيسة داخل وخارج الدولة ؟
ــــ فلنترك الحديث عن هذا الأمر للأرقام، فقد حققت كافة المؤشرات المالية للبنك ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، حيث ارتفعت موجودات البنك بنسبة 59% إلى 53.3 مليار درهم، مقابل 33.4 مليار درهم للفترة ذاتها من العام الماضي، وذلك انعكاساً للنمو الملحوظ في أنشطة البنك التمويلية والاستثمارية التي بلغت 31.9 مليار درهم مقارنة بـ 19.5 مليار درهم بنهاية الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي بنمو قدره 64%. كما شهدت ودائع المتعاملين نمواً بنسبة 49% حيث ارتفعت من 27.7 مليار درهم بنهاية الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي إلى 41.3 مليار درهم بنهاية شهر سبتمبر الماضي.
هذه الأرقام تعكس بوضوح نجاح إستراتيجية البنك القائمة على تنويع المنتجات والخدمات بما يتناسب مع التطور الاقتصادي الحاصل في مختلف القطاعات في الدولة. ويشير إلى نجاحه في الارتقاء بنوعية الخدمات التي يقدمها، وتوفيقه في تقديم حلول مصرفية ومالية متخصصة للشركات. وفيما يخص سؤالك حول خطط التوسع، فعلى المستوى المحلي والإقليمي تكفي الإشارة إلى أنه مع نهاية عام 2007 يصل عدد فروع بنك دبي الإسلامي إلى 70 فرعاً.
على صعيد آخر فإن هناك قرارا استراتيجيا يهدف إلى توسيع شبكة عمليات البنك من خلال خطة توسعية شملت حتى الآن السودان، تركيا، إيران، وباكستان. حيث تم افتتاح »بنك دبي الإسلامي باكستان المحدود«، وتملك البنك حصة الأغلبية بنسبة 60%من »بنك الخرطوم« في السودان، وافتتح مكتباً تمثيلياً في تركيا. كما شارك في تأسيس »مصرف الإمارات والسودان« في السودان. وهناك محاولات جادة للتواجد في دول الخليج مثل السعودية وقطر وغيرها.
وأخلص من ذلك إلى اعتبار عام 2006 بالنسبة إلى بنك دبي الإسلامي بأنه عام محوري تأكدت فيه صحة رؤية البنك وإستراتيجيته وقراءته للأسواق.
٭ ما توقعاتكم لأداء الاقتصاد الوطني خلال العام الحالي، وهل تعتقدون أن النمو المسجل العام الماضي مرشح للاستمرار ؟
ـــ أشارت توقعات البنك المركزي المعلنة أخيراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سوف يحقق هذا العام نمواً بنسبة 9% بالأسعار الثابتة، كما تؤكد هذه التوقعات استمرار تحقيق القطاعات غير النفطية والاستثمار المحلي وصادرات الدولة السلعية لمزيد من النمو.
ولا يخفى أن انتهاج الدولة سياسة تنويع مصادر الدخل وتسخير العوائد النفطية لدعم القطاعات الأخرى قد ساهم في استمرار نمو القطاعات الاقتصادية في العام 2005 وعلى الأخص القطاعات الصناعية التي أصبحت تشكل اليوم ما يقارب 13 % من الناتج المحلي للدولة.
إذن فالمؤشرات واضحة على أن النمو الاقتصادي الذي شهدته الدولة خلال العام الماضي لم يكن نمواً مرحلياً ينتهي بانتهاء عوامله، بل هو في واقع الأمر نمو منهجي ومدروس وفق النهج الاقتصادي الذي اختارته الدولة وكرست له. وهو ما أثمر نتائج قياسية خلال العام الماضي وما يؤسس لنمو ثابت ومستمر في الأعوام المقبلة أيضاً.
٭ كيف تنظرون إلى قطاع التمويل العقاري في الدولة خلال العام الحالي؟
ــــ يمثل إجمالي التمويل المصرفي للقطاع العقاري حوالي 20% من ودائع العملاء في القطاع المصرفي، وهو نسبة مطمئنة إلى حد كبير، ووفقاً لما أعلنه البنك المركزي أخيراً فقد زادت القروض التمويلية للقطاع العقاري بنسبة 58.2%.
وهي في رأيي زيادة طبيعية نظراً للمشاريع الكبيرة التي تشهدها الدولة حالياً، ونتيجة للطلب على تمويل هذه المشاريع، وأعتقد أن القطاع المصرفي العامل في الدولة قادر على تقديم التمويل اللازم لهذه المشاريع، وهو أمر يفسر قيام بعض البنوك بإصدار سندات وطرح صناديق تمويل للمشاريع العقارية مستفيدة من السيولة العالية في السوق المحلي، إضافة إلى جذب الأموال من الخارج لتمويل الاستثمار المتنامي في القطاع العقاري في الدولة.
٭ ما هي توقعاتكم بشأن حصة الإقراض العقاري من إجمالي تسهيلات البنوك خلال 5 أو 10 سنوات من الآن؟
ــــ من الطبيعي أن ترتفع حصة الإقراض العقاري من إجمالي تسهيلات البنوك خلال الأعوام المقبلة، نظراً للنمو الكبير الحادث في هذا القطاع والمتوقع استمراره لسنوات مقبلة. كما أعتقد أن الحاجة إلى الخدمات المصرفية الإسلامية سوف تزداد لمواجهة المنافسة المطروحة من قبل رأس المال الأجنبي.
٭ وما هي توقعاتكم لأفق نمو القطاع العقاري، وهل هناك مدعاة للتخوف من حدوث انتكاسة ما له؟
ــــ هناك عدد من المؤشرات التي يمكن من خلالها قراءة الأمر، مثلاً لم تعد الجهات الحكومية هي المصدر الوحيد لإطلاق المشاريع العقارية الضخمة، حيث يُظهر السوق تحولاً في توجه الحكومات بحيث باتت تسعى إلى تشجيع القطاع الخاص على إطلاق المبادرات المماثلة. كما أن هناك عوامل أساسية تفيد في هذا الأمر أيضاً منها ازدياد عدد السكان والسياح وسعي العديد من المستأجرين إلى التحول من موقع المستأجر إلى موقع المالك.
ما يفتح المجال أمام سوق التملك، الأمر الذي يخلق فرص نمو كبيرة، وقد انعكس ذلك في نتائج كبريات شركات التطوير العقاري في الإمارات على وجه التحديد. كل هذه العوامل وغيرها تؤكد مقدرة القطاع العقاري على الاستمرار في النمو، بالإضافة إلى ذلك فإنه لا يمكن اعتبار ما تشهده المنطقة من نمو عقاري متسارع مجرد فقاعة، ذلك أن حركة البناء النشطة تأتي في إطار الطلب المتزايد على العقار في المنطقة عموماً.
حوار ـــــ أبوبكر الأمين