العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» التي كانت تتويجا للتعاون النقدي الأوروبي ساعدت بقوة على دعم الإتحاد الأوروبي وعدم تصدعه نتيجة الصعوبات التي واجهته عند رفض بعض الدول الأوروبية التوقيع على الدستور الأوروبي الموحد منذ أكثر من سنتين، وهي حقيقة كانت أمام قادة الخليج عند اجتماع المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي في دورته الأخيرة بالرياض والذي تصدر أعماله الإتحاد النقدي الخليجي.

ولا شك أن التعاون النقدي يعتبر أهم أنواع التعاون الاقتصادي الإقليمي الذي ينشأ بين مجموعات من الدول المتجاورة والتي تلتقي معاً في ضوء عوامل طبيعية - جغرافياً أو تاريخيا أو لغويا أو جنسيا ، كما هو الحال في الدول الخليجية الست التي تتشابه في كل هذه العوامل ولا ينقصها إلا الإرادة القوية التي تخلق وحدة اقتصادية كاملة يتبعها مستقبلاً اتحاد

ثم وحدة شاملة تقوم على أبعاد علمية وعملية.والتعاون الاقتصادي الإقليمي الذي قام بين مجموعات عديدة في أغلب قارات العالم كان أبرزه الإتحاد الأوروبي، ومنطقة التجارة الحرة للأميركتين، واتفاقية التجارة الحرة لدول شمال أميركا، وتجمع دول جنوب شرق آسيا «الآسيان»،

ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي، والسوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا «الكوميسا»، والتجمع الاقتصادي لدول غرب إفريقيا «الإيكوا»، هذه التجمعات استطاعت أن تخلق تعاوناً اقتصادياً شاملاً أو جزئياً في كثير من البنود التي تحقق لكل شعوب المنطقة معيشة أفضل وحياة أسعد

غير أنه في المنطقة العربية فإنه للأسف وبالرغم من بداية التفكير في التعاون العربي منذ أكثر من خمسين عاماً والذي نشأت من أجل تحقيقه جامعة الدول العربية، فإن شيئاً واضحاً وقوياً في مجالات هذا التعاون لم يظهر حتى الآن، باستثناء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي انضم إليها سبعة عشر دولة حتى الآن،

بينما بدأ تطبيقها منذ عام 2004 مع صعوبات مازالت تعوق مسيرتها التي تهدف إلى رفع معدل التجارة العربية البينية إلى ما يزيد عن 20% من جملة التجارة الخارجية للدول العربية بينما وصلت حالياً إلى 10 في المئة فقط، وذلك بالإضافة إلى إنشاء اتحاد المغرب العربي الذي يضم في عضويته خمس دول هي تونس والمغرب وليبيا وموريتانيا والجزائر، ومازال هذا الاتحاد في دور التمهيد والتأصيل والبحث عن مسيرة أقوى للتعاون بين أعضائه.

وفي عام 1981 نشأ في الخليج نموذج جديد وقوي للتعاون الإقليمي في المنطقة العربية، يقوم على أسس ثابتة بين شعوب الخليج حيث يضم تقريباً كل العوامل الوحدوية على أساس التجاور والترابط والتاريخ المشترك واللغة الواحدة والدين الواحد، وكلها عوامل طبيعية ووحدوية لا تقبل المناقشة،

حيث قامت حكومات دول الخليج الست بإنشاء مجلس التعاون الخليجي في مايو 1981 بعضوية كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة البحرين والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة قطر ودولة الكويت، وتبلغ مساحة هذه الدول 67 ,2 مليون كيلومتر مربع وعدد سكانها يقرب من 32 مليون مواطن خليجي،

وقد وصل ناتجها المحلي الإجمالي إلى 7,608 مليارات دولار أميركي عام 2005 بزيادة قدرها 122 مليار دولار أميركي عن العام السابق له، وينتظر أن يصل إلى تريليون دولار أميركي مع نهاية عام 2010 إن شاء الله وهو ما تؤكده بعض التقارير الدولية.

ولقد تحددت أهداف عديدة لهذا التعاون الخليجي يقوم المجلس بتحقيقها في كل الجوانب الحياتية اللازمة لشعوب المنطقة والتي تجعلهم قوة واحدة في المستقبل تصد كل من يفكر في العدوان عليها، كما ترفع المستوى المعيشي لكافة المواطنين الخليجيين وتؤهلهم للقيام بدورهم العربي الكبير، حيث تمثلت هذه الأهداف في:

ـ تحقيق التنسيق والترابط والتكامل بين الدول الأعضاء في كافة المجالات.

ـ تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها.

ـ وضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين بما في ذلك الشئون الاقتصادية والمالية والتجارية والجمارك والمواصلات والشئون التعليمية والثقافية والاجتماعية والصحية والتشريعية والإدارية.

ـ دفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية وإنشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشاريع مشتركة وتشجيع تعاون القطاع الخاص.

ويمكن القول إن المجلس يقوم بإنجاز هذه الأهداف حسب البرامج الزمنية التي وضعها لكل مجال من هذه المجالات، وذلك في ضوء الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي أقرها المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي في دورته الثانية والعشرين المنعقدة في ديسمبر 2001

والتي حددت وسائل التعاون في كل المجالات الاقتصادية بالنسبة للاتحاد الجمركي والعلاقات الاقتصادية الدولية لدول المجلس والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي والاقتصادي وتحسين البيئة الاستثمارية في دول المجلس والتكامل الإنمائي بين دول المجلس

بما في ذلك التنمية الصناعية وتنمية البترول والغاز والموارد الطبيعية والتنمية الزراعية وحماية البيئة والمشروعات المشتركة وتنمية الموارد البشرية والبحث العلمي والتقني والتكامل في مجالات البنية الأساسية بما في ذلك النقل والاتصالات والتجارة الإلكترونية.

على أن الاتفاقية لم تضع مجرد أهداف أو خطوط عريضة وإنما تناولت في فصلها الثامن آليات التنفيذ والمتابعة وتسوية الخلافات وعلى أن يقوم المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي بتحديد البرامج الزمنية لكل نوع من أنواع التعاون الوارد في الاتفاقية،

ويهمني أن أعرض هنا أهم مجال تناوله التعاون الخليجي المشترك وهو التعاون النقدي والمالي الخليجي حيث نصت المادة «22» من الاتفاقية على «أن تقوم الدول الأعضاء بتنسيق سياستها المالية والنقدية والمصرفية وزيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية بما في ذلك العمل على توحيد العملة لتكون متممة للتكامل الاقتصادي المنشود فيما بينها».

ومن هنا أخذ الموضوع دراسته الجدية حيث وافق المجلس الأعلى في ديسمبر 2001 على البرنامج الزمني لإقامة الاتحاد النقدي، والذي يقضي بتطبيق الدولار الأميركي مثبتاً مشتركاً لعملات دول المجلس في مرحلة ما قبل نهاية 2002، وهو ما تم تطبيقه بالفعل من قبل جميع دول المجلس في الموعد المحدد.

كما يقضي البرنامج بأن تتفق الدول الأعضاء على معايير تقارب الأداء الاقتصادي ذات العلاقة بالاستقرار المالي والنقدي اللازمة لنجاح الاتحاد النقدي قبل نهاية 2005، وذلك تمهيداً لإطلاق العملة الموحدة في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 2010.

ولقد نصت توصية المجلس على أنه «بهدف تحقيق الاتحاد النقدي والاقتصادي بين دول مجلس التعاون بما في ذلك توحيد العملة، تقوم الدول الأعضاء وفق جدول زمني محدد بتحقيق متطلبات هذا الاتحاد بما في ذلك إحراز مستوى عال من التقارب بين الدول الأعضاء في كافة السياسات الاقتصادية،

لاسيما السياسات المالية والنقدية والتشريعات المصرفية ووضع معايير لتقريب معدلات الأداء الاقتصادي ذات الأهمية لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي، مثل معدلات العجز والمديونية والأسعار». وخلال السنوات الأربع الأخيرة عكفت اللجان المعنية في مجلس التعاون على تنفيذ هذه التوصية،

واستكملت بحث معايير التقارب الاقتصادي وتحديد مكوناتها وطريقة حسابها والنسب والحدود المقبولة للتقارب النقدي، وذلك من خلال الدراسات المقدمة من الدول الأعضاء والأمانة العامة للمجلس، مع الاستفادة من الدراسات التي أعدها البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي لهذا الغرض، وأنشئت بالأمانة العامة وحدة متخصصة لدراسات الاتحاد النقدي للمساعدة فيما يتطلبه إقامته وإصدار العملة الخليجية الموحدة من دراسات وأبحاث وعمل مستمر لتأمين فرص نجاحه.

ثم أقر المجلس الأعلى في دورته السادسة والعشرين (أبوظبي، ديسمبر 2005) المعايير التالية لتحقيق تقارب الأداء الاقتصادي والاستقرار المالي والنقدي:

ـ معايير التقارب النقدي، وتتمثل في معدلات التضخم ومعدلات الفائدة ومدى كفاية احتياطات السلطة النقدية من النقد الأجنبي.

ـ معايير التقارب المالي وتتمثل في نسبة العجز السنوي في المالية الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي.

وفي ضوء ذلك ناقشت لجنة المحافظين في عام 2005 وفي اجتماعها في أبريل 2006 طريقة حساب وقياس هذه المعايير وتحديد نسب العجز والمديونية القصوى المسموح بها. كما ناقشت البدائل المقترحة للسلطة النقدية المشتركة التي ستتولى إصدار العملة الخليجية الموحدة وإدارة السياسة النقدية الموحدة.

وتوصلت اللجنة إلى توصيات محددة حول هذه المواضيع واتفقت على خمسة معايير. ومن بين المعايير التي تم الاتفاق عليها ألا يتجاوز العجز في الميزانية العامة 3% من إجمالي الناتج المحلي، وألا يتجاوز الدين العام 60% من إجمالي الناتج المحلي أيضاً،

وألا يزيد معدل التضخم في أي دولة عن المتوسط في دول المجلس +2%، كما لا يزيد سعر الفائدة عن متوسط أقل ثلاثة معدلات في الدول الأعضاء +2% ويتعين أن تغطي احتياطيات النقد الأجنبي الواردات من أربعة شهور إلى ستة شهور.

وهكذا، فإن التعاون النقدي الخليجي يسير في طريق مستقيم، طريق يهتم به كل قادة الخليج الذين حضروا اجتماع القمة الأخير في الرياض، وإذا كان هناك من يعارض بعض تفاصيله فإن المعارضة تنصب على الجدول الزمني فقط دون الخطوط العريضة المتفق عليها.

مستشار وكاتب اقتصادي مصري