يقف العقل السليم مبهوراً أمام اللغة العربية الجميلة، لما تتمتع بها من دقة في خصائصها وتراكيبها، فجميع اللغات الإنسانية تشترك في مكونات أساسية: هي الأصوات والدلالات والتراكيب، كما أنها تتصف بالتجديد والإبداع، إلا أن اللغة العربية لها إيقاعها الحركي الذي تمتاز به عن اللغات الأخرى،

فحين وقفت ابنة زياد بن أبيه تقول له ما أحسنُ السماء (بضم النون)، فقال نجومها، فقالت له بل أردت التعجب، فقال لها قولي ما أحسنَ السماء ( بفتح النون). وإذا كانت حركة واحدة غيرت مفهوم ومبنى الجملة فما بال ما اصطلح عليه بكلمة أو كلمات يتفق أهل الاختصاص على ضرورتها لأداء مدلول معين في بنية النسق المعرفي المميز لعلم من العلوم الاقتصادية أو العلوم الأخرى،

وتتباين المصطلحات الاقتصادية من حيث الشكل واللفظ وكذلك من حيث المعنى والمبنى شأنها شأن مصطلحات العلوم الأخرى. والمصطلحات الاقتصادية توفر للقارئ والدارس والباحث ورجال الأعمال والاقتصاد الكثير من الجهد والوقت في مراجعة معاني التعابير المصطلحية وما يقابلها في المصادر الأجنبية بلغات أخرى، وقد ظهرت المعاجم والموسوعات المتخصصة في المكتبة العربية لتؤدي غرضها في تكوين البناء الاقتصادي والتجاري والمالي،

وكان من رواد المعجمين والمتخصصين العرب، الدكتور حسين عمر في (موسوعة المصطلحات الاقتصادية)، وجروان السابق في مؤلفه (قاموس الاقتصاد)، ومنير البعلبكي في (قاموس المورد)، وحسن النجفي في (معجم المصطلحات التجارية والمصرفية)،

وغيرهم كثيرون من صفوة العلماء والأدباء. إلا أن السؤال المهم هل تتم ترجمة مثل تلك المصطلحات بدقة وأمانة علمية تتفق مع دلالاتها ومفاهيمها الأصلية التي اشتقت منها ولأجلها؟ وثمة جهل أو عدم دقةٍ في تحديد المصطلح الاقتصادي واختياره في مكانه المناسب أو استخدامه السليم (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء)،

يسبب بلبلة في أسواق الصرف وانخفاضا في قيمة عملة ذلك البلد جراء سوء استخدام المصطلح الاقتصادي المناسب وخاصة من قبل شخص مسؤول يترتب على أقواله تبعات اقتصادية أو سياسية كالذي حصل مع الرئيس الأميركي جورج بوش عند زيارته لطوكيو،

لم يفرق بين المصطلح Devaluation of currency والذي يعني (تخفيض قيمة العملة) والمصطلح Deflation والذي يعني (الانكماش) ، فاستخدم المصطلح الأول مكان المصطلح الثاني، وعند ظهور المصطلح الأول على شاشات المتعاملين انخفض الين وارتفع الدولار إلى في حينه، كما سبب هبوط أسهم مؤسسة ميزوهو هولدنجز أكبر بنك في العالم من حيث الأصول إلى 36 ,70 %.

فكانت النتائج لبعض المستثمرين اليابانيين مخيبة لآمالهم، والفرق كبير بين المصطلحين، حيث يعني الأول تنزيل عدد الوحدات النقدية المباعة من العملة الأجنبية (غير المخفضة) بالقياس إلى عدد الوحدات من العملة المخفضة، ويمكن إجراء هذا التخفيض عن طريق تغيير قيمة العملة بالنسبة إلى العملات الأخرى أو بإنقاص وزن ما تحتويه قطعة النقود من معدن، أما المصطلح الثاني

فيعني هبوطاً مفاجئا في الأسعار ويحدث عادة بسبب وجود نقص في كمية العملة المتداولة بالنسبة إلى كميات البضائع والخدمات المتوفرة، أي الحالة التي يكون فيها اختلال التوازن بين حاجة الناس إلى وسائل المبادلة وكمية الوسائل في وقت معين،

وقد تلجأ الحكومة إلى خلق حالة الانكماش عن طريق سحب كمية من العملة المتداولة ورفع نسبة الفائدة بهدف تقليص عملية الإقراض والتسليف والحد منها، وقد تنشأ حالة الانكماش (Deflation) أثناء الكساد الاقتصادي بسبب وجود فائض في البضائع المعروضة في الأسواق ونقص في الطلب والاستهلاك، والانكماش هو الحالة العكسية للتضخم (inflation ).

ويبقى الاستغراب هل الخطأ الذي وقع فيه بوش في استخدام المصطلح الاقتصادي كان خطأ متعمداً كما عبرت عنه وسائل الإعلام، أم تحريفاً للمصطلحات الاقتصادية؟ والأكثر استغرابا أنه حدث هذا أيام المستشار الاقتصادي السابق لورانس ليندسي الذي غالبا ما تكون آراؤه وتوقعاته سديدة،

حيث توقع بأن تكون تكلفة الحرب على العراق ما بين 200- 300 مليار دولار، (مما تسبب في إقالته)، لكن بعد مرور ثلاث سنوات من الحرب تشير التكاليف إلى أنها وصلت إلى 350 مليار دولار بل تجاوزت ما كان متوقعا، مما قد يترك أكبر الأثر على الاقتصاد الأميركي. ومع إطلالة عام 2005 وارتفاع نسب معدلات البطالة،

حرفت بعض الصحف الأوربية مصطلح (إنه الاقتصاد يا غبي (t's Economy ,Stupid ) الذي استخدمه الرئيس بيل كلنتون في حملته الانتخابية في ولايته الأولى عام 1992 فجعلوها حالياً (إنها الوظائف يا غبي (It's the Job, Stupid). فالأخطاء التي تحدث في استخدام المصطلحات الاقتصادية أو بعض التحاليل الاقتصادية تكون مؤثرة في حالة عدم استخدامها في المكان الصحيح والمناسب،

أما في السياسة فالأخطاء الواردة فيها تكون تأثيراتها أكثر بأسا وأشد تأثيرا، فاللغة وما اصطلح عليه من مفردات هي التمثيل السيادي للدولة أو الأمة، فتنزانيا من الدول النامية الضعيفة اقتصاديا وقف زعيمها نيريري بقوة بعد الاستقلال للدفاع عن اللغة (السواحلية الوطنية لبلاده) حتى أصبحت جامعة دار السلام تدرس سائر المواد باللغة السواحلية،

وكذلك الكوريون التي تعد دولتهم اليوم من أهم الدول النامية الاقتصادية والعلمية، تم منعهم من تداول واستخدام لغتهم إبّان الاحتلال الياباني لهم طوال ستين عاما، ولما استقلت البلاد كان أول مرسوم في أول عدد من الجريدة الرسمية يمنع تداول اللغة اليابانية (لغة المحتل لها)، وقد يكون السؤال المنطقي والمهم، هو متى تتطابق الدلالات مع مدلولاتها بحيث تعكس الواقع الاقتصادي والسياسي بشكل منصف وعادل ودون تشويه أو تحريف؟ .

باحث اقتصادي

Kutaiba@emirates.net.ae