قال محللون انه وعلى الرغم من الهجمات التي تعرض لها عمال النفط في الجزائر مؤخرا، والمتاعب التي واجهتها الحكومة بعد الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي، فإن الطلب المتزايد على النفط والغاز الطبيعي سوف يدفع الشركات الأجنبية لتحمل المخاطر والبقاء في هذا البلد الغني بالنفط.
في العاشر من الشهر الجاري هاجمت مجموعة مسلحة شاحنة تقل عمال نفط أجانب يعملون لدى شركة »براون أند روت ـــ كوندور«، وهو مشروع مشترك مع شركة النفط الوطنية الجزائرية (سوناطراك) والشركة الأميركية العالمية العملاقة كيلوغ.
ومن المعروف أن لدى شركة »براون أند روت كوندور« خبرة كبيرة في العمل في مناطق تشهد اضطرابات أمنية خطرة مثل كوسوفو والعراق وأفغانستان.بعد الهجوم أعلنت الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر، والتي يرمز إليها بالفرنسية باسم GSPS مسؤوليتها عن الهجوم والذي أسفر عن مقتل جزائري وجرح 9 من العمال الأجانب.
وجاء الهجوم بعد أقل من أسبوعين من انفجار سيارة مفخخة خارج مراكز للشرطة في ضواحي العاصمة الجزائر.على الرغم من أن الهجوم استهدف عمالا أجانب فإن محللين قالوا بأن الوضع الأمني لن يؤثر بشكل كبير على عمل شركات النفط والغاز في الجزائر أو على انتاج هاتين المادتين على المدى البعيد.
وأضاف هؤلاء بأن هذه الشركات أثبتت قدرتها على العمل في ظروفٍ خطرة، لكنها قد تطالب بشروط أفضل من أجل استئناف العمل في مثل هذه المناطق.قال المحلل في مجموعة يوراسيا في الشرق الأوسط وافريقيا جيوف بورتر إنه من المرجح أن تبقى الجزائر موردا رئيسيا للهايدروكاربون، مشيرا إلى أن ذلك سوف ينطبق على الغاز أكثر من النفط، مؤكدا على الدور الذي سيظل يلعبه البترول في المستقبل.
وأضاف بورتر »لا أعتقد بأن هجوما واحدا سوف يغير بشكل أساسي نشاط هذه الشركة في الجزائر«، لكنه قال »إذا استمرت مثل هذه الهجمات فإن بعض الشركات »سوف تبحث عن استثمارات بديلة«.
في سياق ذي صلة، قال البروفوسور جان روبرت ليغري فيلوكس من جامعة سانت لويس وهو اختصاصي في الإرهاب الدولي والشرق الأوسط إن شركات النفط تستخدم البيئة الجغرافية الطبيعية من أجل حماية نفسها من الهجمات التي قد تتعرض لها.وأوضح فيلوكس إن »المنشآت النفطية بعيدة عن مراكز التجمع السكاني حيث تنشط العناصر الثورية«، مشيرا إلى أنه في »حرب الاستقلال وخلال الحرب الأهلية وفرت لهذه المنشآت درجة معينة من الحماية«.
وتابع إنه على الرغم من بعد هذه المنشآت عن أماكن الكثافة السكانية إلا أن عمال النفط الأجانب في الجزائر لا يزالون عرضة للخطر، لافتا إلى أن الكثير من الشركات الخاصة لا تزال تعمل في العراق، متوقعا أن يرتفع سعر الانتاج تبعا لذلك.
وحسب منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) تعد الجزائر من الدول الرئيسية المصدرة للنفط ولديها أكثر من 12 ألف مليون برميل من احتياطي النفط المؤكد ما يجعلها ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث انتاج النفط بعد ليبيا ونيجيريا والرابعة عشرة على مستوى العالم.
قفزت كميات النفط التي صدرتها الجزائر بنسبة 23% في عام 2003و 21% في عام 2004 ولكن الزيادة في انتاج النفط تراجع منذ ذلك الوقت. كذلك ارتفعت كمية انتاج البترول إلى 1.3 مليون برميل نفط في اليوم خلال عام 2005 حسب نفس المصدر، علما بأن شركة النفط الجزائرية الوطنية تنتج حوالي 93% من النفط.
يلعب تصدير النفط دورا هاما بالنسبة إلى الاقتصاد الجزائري إذ تمثل أرباح النفط نصف العائدات الحكومية.وفي إشارة إلى الحركات الإسلامية المتطرفة قال فيوليكس »لا شك أن تقويض الاقتصاد يعد أحد الأهداف. إن وجود اقتصاد مستقر يعد أمرا ضروريا بالنسبة للجزائر إذا أرادت استعادة عافيتها بعد الفوضى التي تسببت بها الثورة«.
وأضاف بأن »الإسلام الراديكالي لا يزال قوة فعالة وهو لا يزال يحلم في إقامة دولة إسلامية في الجزائر، وهو لم يتخل عن العنف على الرغم من أن ذلك كلفه خسارة جزء كبير من شعبيته«.
أسفرت الحرب الأهلية في الجزائر عن مقتل أكثر من 510 آلاف شخص وأعادت البلاد إلى الوراء لحوالي عقد من الزمن بعدما رفضت الحكومة الاعتراف بنتائج الانتخابات العامة التي جرت في عام 1992 والتي كان من الممكن أن تتيح للأحزاب السياسية الوصول إلى السلطة.
أصبحت الجزائر أكثر استقرارا بعد العفو الذي أعلنه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في عام 2004 عن المسلحين على الرغم من أن الحكومة لا تزال تواجه معارضة من المجموعات المسلحة.
قال فيوليكس »إن الكثير يرون بأن برنامج العفو الذي أعلنته الحكومة هدفه حماية أولئك الذين ارتكبوا فظاعات بدعم من الحكومة خلال مواجهتهم للإسلاميين«.
لكن بورتر قال »إن الوضع الأمني يعتمد على قوات الحكومة على الأرض، وهذه ليس لديها الخبرة التي اكتسبها أولئك الذين قاتلوا خلال الحرب الأهلية«.
من جانبه قال مدير الأمن الوطني علي تونسي إن القوات الحكومية في »أيدٍ كفوءة«.
يقيم تونسي علاقات قوية مع قوات الأمن الأميركية في الولايات المتحدة وأوروبا ويمتلك خبرة واسعة في وسائل مكافحة التمرد.وأضاف فيولكس الكثير سوف يتوقف على مدى فعالية القيادة السياسية خلال العقود المقبلة.
هل بالإمكان جعل البيروقراطية فعالة وتقليص الفساد بدرجة كبيرة؟ هل بالإمكان خفض مستوى البطالة على الرغم من ازدياد معدل النمو السكاني؟ هل بإمكان القيادة (الجزائرية) العمل مع الاتحاد الأوروبي؟ هل سيحصل البربر على قدر كاف من الاهتمام بحيث لا يشكلون عنصر عدم استقرار؟
وأضاف »بكلام آخر لا تزال الجزائر تواجه الكثير من المشاكل وقد بدأت بشكل بطيء الخروج من الحفرة التي فيها. يشكل التكامل السياسي والفعالية أمرين أساسيين بالنسبة إليها«.
ورأى بأن الذين يعملون في مجال النفط اعتادوا على المخاطر، مضيفا بأنه »اعتمادا على عائدات صناعة النفط فإن المستثمرين سيظلون مستعدين لقبول المخاطر. إنها مسألة توازن، وإذا بدا بأن البلد يسير في الاتجاه الصحيح حتى مع وجود نكسات فان ذلك سوف يشجع على الاستثمار«.