أكد محللون أن 2006 لم يكن عاما عاديا للعديد من الدول الأوروبية التي تعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات الطاقة التي تصلها من روسيا عبر الأراضي الأوكرانية.

فقد اختار الروس ومنذ الساعات الأولى للعام الحالي أن يرفعوا شعار «وداعاً للغاز الرخيص» الذي كانت روسيا تقدمه للعديد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا مثل أوكرانيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) بأسعار منخفضة.

ولم يتوقف تأثير القرار على تلك الجمهوريات فقط وإنما امتد إلى دول أوروبا الغربية التي تدفع ثمن الغاز وفقا للأسعار العالمية ولكن اضطراب إمدادات الغاز إلى أوكرانيا بسبب الخلاف على الأسعار الجديدة في يناير الماضي أسفر عن بعض الاضطراب في إمدادات الغاز إلى أوروبا الغربية حيث أن تلك الإمدادات تمر عبر الأراضي الأوكرانية.

والحقيقة أن التطورات التي شهدتها إمدادات الطاقة الروسية إلى أوروبا العام الحالي لم تكن متوقعة على الإطلاق.

فعلى مدى أكثر من 20 عاما، غزت فيها روسيا أفغانستان خلال ثمانينات القرن العشرين وأعيد توحيد ألمانيا مطلع التسعينات من القرن نفسه وكذا تفكك الاتحاد السوفييتي، استمرت إمدادات الغاز الروسي تتدفق على أوروبا دون توقف.

بيد أن هذا الوضع شهد تحولا لم يكن متوقعا في يناير الماضي.فأزمة أسعار تصدير الغاز الروسي لأوكرانيا نجم عنها وقف تدفقات الغاز لدولة جارة.وفي الوقت نفسه حاولت موسكو مواصلة ضخ الغاز إلى أوروبا الغربية عبر خطوط الأنابيب التي تمر بأوكرانيا وهو ما رفضته كييف بشكل أو بأخر. وكانت النتيجة اضطراب إمدادات الغاز الروسي لدول غرب أوروبا.

ورغم أن روسيا تؤكد باستمرار أن قضية إعادة تسعير صادرات الغاز إلى الجمهوريات التي كانت يوما ما أعضاء في الاتحاد السوفييتي السابق قضية اقتصادية بحتة يتهم الغرب والدول المعنية بالأسعار الجديدة روسيا باستغلال ثروتها من الغاز الطبيعي لتحقيق مآرب سياسية منها الضغط على الحكومة الأوكرانية التي تتبنى سياسة للتقارب مع الغرب على حساب علاقاتها التاريخية مع روسيا.

وفي المقابل هددت أوكرانيا أواخر العام الماضي عام 2005 لدى تلويح روسيا بزيادة سعر تصدير الغاز إليها بورقة وقف تدفق صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أراضيها.

ومن المعروف أن شركة جاز بروم الروسية المملوكة للدولة والتي تحتكر تصدير الغاز الروسي تزود الاتحاد الأوروبي بنحو 24 في المئة من احتياجاته من الغاز حيث تجلب لها الأسواق الأوروبية نحو 70 في المئة من أرباحها.

وإذا كان توتر العلاقات بين روسيا وأوكرانيا منذ وصول فيكتور يوشينكو إلى سدة الحكم في أوكرانيا حاملا شعارات مناوئة لروسيا يمكن أن يفسر لنا إقدام روسيا على زيادة أسعار تصدير الغاز إلى أوكرانيا فإن التطورات الأخيرة في العلاقات بين روسيا وبيلاروس (روسيا البيضاء) وهي من أقرب حلفائها إليها تؤكد أن روسيا جادة في قرارها بالتوقف عن بيع ثرواتها في مجال الطاقة بأقل من الأسعار العالمية. ولذلك فإن التقارير تؤكد اتجاه روسيا إلى زيادة أسعار إمدادات الطاقة سواء من الغاز أو الكهرباء إلى بيلاروس لتقترب من الأسعار العالمية.

وفي يناير الماضي أوقفت روسيا بالفعل ضخ الغاز إلى أوكرانيا وجاء الرد الأوكراني سريعا من خلال سحب جزء من إمدادات الغاز الروسي المتجه إلى أوروبا بصورة غير قانونية لسد احتياجاتها العاجلة خاصة في ظل الشتاء القارس.

وتعتمد أوكرانيا بصورة شبه كلية على إمدادات الغاز من روسيا لتوفير احتياجاتها. وبسبب تلك الأزمة اضطربت إمدادات الغاز إلى ألمانيا والمجر والنمسا وبولندا وصربيا ورومانيا وإيطاليا وفرنسا.

ثم تعرضت أوروبا لنقص جديد في إمدادات الغاز من روسيا ولكن هذه المرة لأسباب طبيعية عندما أدى الانخفاض البالغ في درجات الحرارة بإقليم سيبيريا الروسي إلى انخفاض إنتاج جاز بروم من الغاز في الإقليم.

وتوصل الروس والأوكرانيون في وقت لاحق إلى اتفاق بزيادة أسعار بيع الغاز الروسي إلى أوكرانيا بصورة جزئية حيث لم تصل إلى المستويات العالمية ولم تستمر عند المستويات شديدة الانخفاض السابقة. وكان السعر السابق هو 60 دولارا لكل ألف متر مكعب تمت زيادته إلى 130 دولارا لكل ألف متر مكعب في حين أن الأسعار العالمية تصل إلى 250 دولارا. (د.ب.أ)