نجاة الصغيرة «صاحبة السكون الصاخب» ، كما وصفها الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب، كانت في أوج سعادتها الليلة الماضية في دبي، حين لقيت استقبالاً يليق بهذه النخبة الرائدة التي أمضت عمرها في الفن كي تسعد الناس حقاً. ووقف الحاضرون الذين قصدوا فندق «غراند حياة» ليطمئنوا على صورة النجمة والحب القديم في مخيلتهم، ويجدوها متلألئة كعادتها، وقد قهرت الزمن بالأبيض الذي زين رأسها وقلبها.

من حسن حظي أنني جلست قريباً منها، وهي تنصت إلى أغنياتها المختارة بعناية في الحفل الذي أعد مساء أمس لتكريمها عبر المكتب الثقافي لحميد بن علي العويس بجائزة «هؤلاء أسعدوا الناس» في حقل الغناء. رأيت قلقها وتوترها وهي تستمع إلى أجمل ما غنت للناس بصوتها المخملي الدافئ، وأحسست بحسرتها حينما دعاها الموسيقار الرحل كمال الطويل في شريط فيديو بث على شاشة في قاعة الاحتفال كي تعود للغناء قائلاً لها:

«ارجعي إلينا يا نجاة»، اقتربت منها وفي لحظة خاطفة لأسألها عن رأيها بما قاله الطويل، فأجابت: «ماذا أرد على هذا الفنان الكبير سأقول له: لو كنت تحبني، فتمنى لي أن أكون بعيدة، الأفضل لي أن أظل كما أنا، فالناس ستحبني كما لو كنت موجودة، صدقني هذا الكلام حقيقي».

وقدم الحفل الإعلامية بروين حبيب، إلا أن لسان الشاعرة فيها هو من عانق تاريخها، وقد ضاقت العبارات بوصفها، فما وفرت جهداً ولا كلاماً إلا وقدمته في هذه الأمسية النادرة.

ورحب حميد بن علي العويس بكلمة ألقاها بالنيابة عنه عبدالإله عبدالقادر بالفنانة الكبيرة نجاة الصغيرة، مؤكداً أنها ليست مطربة فحسب بل سفيرة لعمالقة الطرب العرب، وتمثل جيل المبدعين الذين أثروا تاريخنا الفني، ولافتاً إلى أن تكريم نجاة اليوم هو تكريم جيل من المبدعين وقمم فنية قل أن نجد مثيلاً لهم هذه الأيام .

وتحدث القنصل المصري العام في دبي إبراهيم حافظ عن تقديره للمشروع الثقافي الكبير الذي أطلقته مؤسسة العويس الثقافية، مؤكداً أنه يشعر بالفخر لحصول نجاة على جائزة شخصية العام عبر هذه المؤسسة الإبداعية الكبيرة.

وفي حين عظم حمدي قنديل من قدر هذه المناسبة قائلاً «إليكم نجاة الصغيرة» كما فعلها ذات مرة مع أم كلثوم قبل خمسة وأربعين عاماً، تحدث الملحن كمال الطويل من جيل العمالقة عن أهمية وجود نجاة في الوسط الفني العربي، والإضافات التي قدمتها بأحاسيسها إلى جانب عبدالحليم حافظ للموسيقى والفن العربي.

ولم تغب صورة «عصفورة الجنة»، اللقب الذي أطلق على الفنانة المحتفى بها، عن كل مفردات الحفل المنتقاة بعناية ، حتى قطع الشوكولا المقدمة للناس رسمت عليها صورتها، فيحار المرء كيف يمكن أن يحتفظ بها في حرارة هذا اللقاء.

وتلا تكريم نجاة بميدالية ذهبية، تكريم آخر للإعلامية القديرة سناء البيسي التي رافقت نجاة في رحلتها تكريماً على عطائها الإعلامي. لعل سعادة «قيثارة الشرق» كما وصفها عبدالوهاب كان يمكن الحديث عنها بكلمات أخرى، لو حضر أولئك الذين أحبوها حباً تاريخياً كنزار قباني وعبدالوهاب وشقيقتها «السندريلا» الراحلة سعاد حسني.

ولكن لا بأس فبياض القلب يتسع لهم جميعاً ولكل من أحبها، ولدبي التي أحيت ابتسامة الإبداع على وجهها من جديد، وحسبها ان ننقل عنها «كرمتني دبي تكريماً ولا أجمل كم أنا ممتنة وفخورة به، أنا اليوم سعيدة جداً، والكلمات لا تسعفني لأعبر عن هذه السعادة».

دبي ـ جمال آدم