فيلم «What a Wonderful World» افتتحت به نهاري مع جدول العروض في مهرجان دبي السينمائي الدولي، كان المطر في الخارج غزيراً، حين عبرنا الطريق من «مدينة جميرا» إلى «مول الإمارات»، وجوه كثيرة يمكنك أن تراها هناك لأول مرّة، متعة المكوث أمام شاشة العرض يمنحني دائماً فرصة النهوض بحواسي الخمس،

وجوه مختلفة يجتمعون أمام حالة بصرية إنسانية في كل فيلم، مع حوارات مفتوحة تتخلل عروض المهرجان، وهي من الفرص التي تمنح للمتذوق وصانع الفيلم فرصة تبادل الآراء مع أفلام عربية وعالمية بعيدة عن الطابع «الهوليوودي» الذي يعتمر شاشات قاعات السينما التجارية.

غداء سريع في ركن المطاعم، وجوه لا يمكن إلا أن تعبرها لتلاحق نفسك، طابور طويل من الجمهور بانتظار تذاكر دخول الأفلام، في المساء كان الموعد مع الفيلم الإيراني (ts Winterz الذي يختصر حالة الغربة داخل الوطن، حيث منزل ريفي بعيد يغادره رب الأسرة الذي لن يعود، إلا من انتظارات ابنته الصغيرة التي تقف بقرب جسدها من بعيد،

بينما تدخل القصة بتوافق جميل مع شاب يقترن بالزوجة، ولكن الزمن يعيد الحالة مع الشاب الذي يقرر الاغتراب من أجل لقمة العيش، وتبقى الزوجة للمرة الثانية مهجورة بينما الفتاة الصغيرة في حالة وقوف مستمر، ومع كل شتاء يغادر رب الأسرة، ليبقى المكان مكتسياً بالبياض والصمت.

الليل كوشاية لا يمكن أن تجهل التعامل معه، مرت أيام وأنا لا أعرف أخبار العائلة، سوى الوجوه التي أراها كل يوم في مقر المهرجان والعروض، والتذاكر التي تتحول في كل لحظه إلى «كنز» بالنسبة لي، فهي تمنحني فرصة التعرف ومشاهدة الأفلام يومياً، جدول العروض في الجيب اليمين،

بينما أعلق على صدري بطاقتي السينمائية، وفي قلبي أصابعها فهي في كل مرة تنساهم، بللت وجهي ببعض الماء، حاولت أن أتفرج على كل شيء يتحرك قربي، وفي ملابسي التي تحتاج إلى الغسيل، هناك فقط انتبهت إلى جوعي، رافقته إلى أحد المطاعم لتناول وجبة سريعة بينما الأصدقاء في مكان آخر، صوت الملاعق يأتي متسارعاً في المكان، بينما طفلة صغيرة ترفض وجبتها، عصير البرتقال ظل في الكوب بقرب فتاة عشرينية كل الوقت.

حتى وأنا أغادر المطعم إلى صالة السينما من جديد لمشاهدة ثلاثة أفلام سينمائية عربية قصيرة، الأصدقاء أنفسهم وجمهور يملأ صالات عروض المهرجان بشكل كبير جداً في كل فيلم، ثلاثة أفلام متنوعة منحتني فرصة التعرف على الأعمال العربية، وقبل منتصف الليل كان موعد تحديد مكان لقاءاتنا اليومية في أحد مطاعم دبي حتى الفجر، حيث نتسلل مع أنفسنا بحوارات سينمائية فكرية تتوافق مع العروض اليومية.

يمنحني شارع الشيخ زايد الكثير من الرخاء بعد منتصف الليل، حين تلتحف المدينة هنا على طول الطريق بالأنوار وبشكل هندسي يبحر بك في لقطات حيّة، عشرات المجسمات لخيول ذهبية اللون على مدخل فندق القصر، في الردهة الأولى رائحة الياسمين والهدايا تفوح من شجرة العيد،

اصعد «الأصانسير» أبقى في داخله دون حراك أبتسم لنفسي في المرآة، بعدها أضغط على زر الطابق الثاني، لوحات لحضرموت ترافقك مع الكثير من الزهور في الطريق إلى الغرفة، هناك فقط أمنع دخول التعب اليومي، بينما أدخل سريري لساعات قليلة جداً، تكون وقتها النافذة مفتوحة على الهواء البارد ولون البحر.

في صباح اليوم الثاني، تبسط حنينك للوجوه من جديد مع «صباح الخير» جديدة، وأنت ترافق يومك مع الأفلام «عرس الذيب» الفيلم التونسي القاسي والجميل كان بداية العرض لهذا اليوم، وبعده كان المؤتمر الصحافي للأفلام الإماراتية، وتوافقت الأصوات والرغبات والآمال، وفي المساء كان فيلم «حنين» ومن دون انتباه،

كان الليل الذي يسكنه المطر في الخارج يدفع بي لتنفس بعض الهواء، وبعدها حضور فيلم «فلافل» الفيلم اللبناني الممتع من كل جوانبه، وبحضور كثيف جداً، الليل ككل عاداتنا اليومية يشبه الانزواء، وهو يأخذنا على زخات المطر في ليل دبي المبهر.

كاتب وسينمائي إماراتي