إطلاق المرحلة الأولى من مشروع استوديوهات الإنتاج الكبرى على هامش أعمال الدورة الثالثة لمهرجان دبي السينمائي الدولي، لم يكن مفاجئاً تماماً للمعنيين والمهتمين بالشأن السينمائي والتلفزيوني؛ فدبي التي أضحت علامة فنية واستثمارية فارقة في المنطقة،
تمكنت خلال فترة وجيزة بقياسات الزمن أن تكون محطة كبيرة للمجمعات الفنية على اختلاف مشاربها وأهوائها وبرامجها وطموحاتها، في سعي منها أن تكون البؤرة الجاذبة لمؤسسات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني على كل المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.
هذا المشروع الإنتاجي الأكبر من نوعه في المنطقة لا يبدو منفرداً في تصميمه وفضاءاته المفتوحة، بل نحسبه يتكامل مع مشاريع أخرى قائمة في الواقع الفني في مدينة دبي، ويؤسس لمشاريع قادمة بناءً على متطلبات واقعية ستفرزها ممكنات التطور المنتظر في تأسيس بنية خلاقة لمدينة فتية تستقطب الكثير من مؤسسات الإنتاج العالمية والعربية في تحديث طموحاتها وإبراز مواهبها المتعددة.
معنى أن هذا الصرح المنتظر هو نواة لصروح قادمة تتواتر لتتكامل بطموح قابل لإنشاء مجمعات كبرى أخرى ترفد بعضها البعض، وهذه التكاملية في التخطيط ستجذب المشاريع الاستثمارية من اتجاهين: أفقي يمتد مع فكرة تأسيس موطئ قدم فيه عوامل النجاح كنشاطات تنفذ برامجها بكفاءة ذات قيمة فنية،
وعمودي يتماهى بخط بياني صاعد مع ما وفره هذا المشروع من مكملات خدمية ثانوية تصب في هيكل المشروع الأساسي وترفده بأنواع المغذيات الأساسية. فما هو منجز ولّد نواته، والنواة تشي بأكثر من نواة في أبجدية رياضية متتالية تتعقب الأثر المنجز، وتقترح أثرها التالي في مخطط هندسي إبداعي ذي خطوط ودوائر تتصل ببعضها حتى تكمل شكلها المطلوب مع الزمن.
إطلاق المرحلة الأولى من هذا المشروع مع بدء أعمال الدورة الثالثة لمهرجان دبي السينمائي جاء للدور المميز لهذا المهرجان في إلقاء الضوء على مدينة دبي وإمكاناتها الفريدة وما يمكن أن تقدمه من إسناد فعلي لصناعة سينمائية إقليمية وعالمية،
وكشف المهرجان الصورة الحقيقية لدبي، وهي تسعى بجدية متناهية أن تنتمي إلى مستقبل قادم فيه من الروافد والنوافذ ما يجعلها قادرة على أن تفصح عن قدرتها على استيعاب الأفكار الجديدة والجادة في تطوير منشآتها الفنية بتقنيات حديثة متطورة.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن قطاع البث التلفزيوني المتنامي عبر أكثر من 150 محطة في دبي أوصل جزءاً مهماً من فكرة النجاحات المضطردة التي حققها كرسالة إلى شركات الإنتاج السينمائي بإمكانية مدينة دبي على تحقيق النجاحات في القطاع السينمائي أيضاً عبر بوابة مهرجان دبي السينمائي.
وغني عن القول ان مدينة دبي بكل كياناتها الفنية تمكنت من أن تكون (العقل) المخطط لاستيعاب قدرات الآخرين بطموح ريادي مشروع ؛ لتصبح نقطة إشعاع جاذبة وبؤرة كبيرة لامّة لنشاطات تثري الحياة الفنية والثقافية،
وتجعل منها عدسة ساطعة تنعكس منها الكفاءات والتجارب التي تُعنى بالتحديث الفني في آخر مستوياته الراقية التي وصلها الإبداع العالمي في حقل السينما على وجه الخصوص، وكل هذه النشاطات لاشك أنها ستنعكس على الجو المحلي لمزيد من الخبرات والتجارب الحية مع مبدعين وناشطين في ميدان الفن الفسيح.
استوديوهات مدينة دبي هي باليقين استوديوهات المستقبل المرسومة بنضج كبير ووعي لمرحلة مقبلة من مراحل التكوّن الفني، التي نطمح أن نرى في ذلك الأفق الآتي، وهو ليس ببعيد، ثورة فنية محلية تحتضن ثراء المنجزات العالمية، وتستفيد منها وتطرح طاقاتها الجديدة بثقة عالية.
وارد بدر السالم
waridbader@yahoo.com