ديمومة الحياة الفنية والثقافية تتواصل وتترسخ عبر إرساء التقاليد الفنية والثقافية والمعرفية بمواصفات التحضر والتقدم والتطلع إلى تعزيز روح التضامن ومعرفة (الآخر) عن قرب والتناغم معه في الكثير مما يجب التناغم معه بروح الكشف والاستكشاف.
وليست بنا حاجة إلى القول إن مهرجان دبي السينمائي الثالث هو وليد فني طبيعي كناتج من نواتج البحث عن المعرفة وأهمية التناغم مع الآخر والتطلع إلى تجاربه والإثراء من مكوّناته المعرفية والثقافية بتشكلها العام ، دون الخوض في تفصيلات التأكيد على الذات المحلية وهويتها الوطنية وتشكلها الإنساني الخلاّق.
الفن يقابل الحياة ليس عنواناً عابراً في توصيف أهمية الفن وجدارته في الوصول إلى الإنسان والتعبير عنه وعن إشكالياته الكثيرة والمعقدة، إنما لأن الفن بكل تفريعاته ومنذ نشأته كان عبارة عن فعاليات حياتية مستمرة ومنجزات إنسانية مختلفة، منذ فنون عصر الكهوف، حتى الفنون السمعية والبَصَرية التي يتسيدها الفن السابع بمرئياته العجائبية وما وفرته له التقنيات الحديثة من إمكانيات فذة لتقريب مفاهيمه الإبداعية وتأصيلها في مسيرته الطويلة الراقية، والتي يلخصها إلى حد ما مهرجان دبي السينمائي الثالث بوفرة نجومه وفنانيه وضيوفه القادمين من كل القارات وهم يحملون سنوات طويلة من التجارب السينمائية وأعباء التجريب والتحديث، وصولاً إلى إذكاء روح المنافسة في حجز بطاقة التأهل في طريق الوصول إلى قمة العروض.
هذا التقليد العالمي الذي ينهض به مهرجان دبي الجديد هو إرساء لتقليد فني مهم، وأهميته تتأتى من فرضية علاقته بالحياة، أي تقريب مفهوم علاقة السينما بالحياة من جوانبها المختلفة؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وانعكاساتها اليومية على المجتمعات والبشرية المتوزعة في كل مكان، وهذا ما تسمو إليه كل الفنون وعلى مر التاريخ، ولنا من الشواهد والآثار الفنية السينمائية ما يعيننا دائماً على التأكيد من أن الفن يوازي الحياة ويقابلها ويستعين بها ويلوّن إيقاعاته منها.
والتقليد هنا يديم نبض المعرفة الإنسانية ويواشج بينها ويُناغم بين مكوناتها الثرية لتحصيل ولو الحد الأدنى من التفاعل الإيجابي بينها وعلى كل مستوياتها الفنية والفكرية.
كثيرون يرون في مثل هذه المناسبات فرصة للتعرف على الآخرين؛ من الصنّاع والفنيين والمخرجين والممثلين الذين يحصدون النصيب الوافر من الإعلام والصحافة، والتعرف على مذاهبهم وأساليبهم الفنية وطرائق تعاملهم مع النصوص ومع المساحات الإبداعية فيها؛ ولعلها بالفعل فرصة مثالية أن تتوفر أجواء دبي على كل هذا الزخم النادر من الوجوه اللامعة في سماء الفن السابع،
ولا شك أن المحصلة المحلية لن تكون فقيرة أمام عمالقة السينما العالمية، فالتقاليد وديمومتها والإصرار عليها وجذب النوابغ وعرض محصلاتهم الفنية، ستعطي بنتائجها في وقت لن يطول كثيراً، فالأجيال التي نزيح عنها حواجز الإعلام المضخمة ونقرّب لها صورة الواقع الفتي السينمائي ستتفاعل بيسر مع كل ما هو إيجابي ونافع مستقبلاً.
ينجح مهرجان دبي السينمائي الثالث إزاء هذه المعادلة التي نضع فيها السينما وهي تقابل الحياة وتستشرف آفاقها منها وترسم معياريتها الفنية باجتهادات صُنّاعها وأساليبهم الجديدة والمحدثة في تثوير طاقاتهم المبدعة وهي تدعم المشروع السينمائي العالمي الذي تتبناه دبي وتحتضنه في خطوتها العملاقة الثالثة التي نرى فيها حتى الآن ما هو جدير بأن يُرى .
waridbader@yahoo.com