شهد اليوم الأول على انطلاقة مهرجان دبي السينمائي الدولي بدء المنافسات بين الافلام العربية على جوائز «المهر»، فعرضت بعض الأفلام المتنافسة، والأخرى تنتظر مواقيت عروضها المتتالية.

الجزائرية جميلة صحراوي، التي أنتجت سابقاً مجموعة من الأفلام الوثائقية تقدم في المهرجان أول أعمالها الروائية الطويلة تحت عنوان «بركات» من ضمن المسابقة الكبرى، عن حكاية مقتبسة من احداث واقعية، حول صحافي جزائري يتعرض للخطف على يد جماعة مسلحة، مما يدفع بزوجته إلى أن تبحث عنه في المناطق البعيد، والارياف على أن تجده هناك، كونها مناطق يتموضع فيها «الارهابيون» عادة. الشريط ذات خط واحد على طول (96 دقيقة) بأسلوب ما يسمى «أفلام الطريق»، حيث الكاميرا تتوغل في استعراض المناطق الجبلية وحياة أهلها، ووسائل تنقلهم البدائية، وطبيعة الشخوص التي تلتقطهم، وبينهم الزوجة الأنثى التي تبحث عن نصفها الآخر وسط مناخ متوتر تنبعث منه رائحة الدم الخفية. كأننا ازاء عمل تسجيلي لاحداث وقعت في التاريخ الحديث، ولكن مشاهد الفيلم سرعان ما ينتبه انه امام رواية بصرية لا لبث في أنها تعيد للحياة تفسيرات وتلمسات إنسانية تحتاجها.

فيلم جيد يستحق أن تحمل صاحبته جميلة صحراوي جائزة ما في نهاية مطاف المهرجان، على عكس الفيلم المغربي «ياله من عالم رائع» للمخرج فوزي بن سعيدي، في عمله الطويل (99 دقيقة) المضجر والمتخبط بقصته، وبأساليب إخراجية تدعي التركيب، فبدا الفيلم منفصماً بين المحتوى والشكل. لا أعتقد أن لديه حظا بأن يفوز بأي جائزة من أي مستوى هنا.

في عداد مسابقة الأفلام الروائية الطويلة العمل الثاني للمخرجة هالة خليل تحت عنوان مثير «قص ولصق»، الذي بدا مستنبطاً بالكامل من سيناريو الفيلم الجديد، في زمنه الإنتاجي، ومستوياته الفنية والتقنية المتنوعة. حكاية الفيلم تدور حول أزمات الشباب الاجتماعية والاقتصادية، الذين يسعون إلى حياة أفضل في الهجرة من بلادهم إلى بلاد أخرى، مازالت فيها الأحلام ممكنة.

مدة «قص ولصق» (105 دقائق)، أشغلتها هالة خليل تماماً بلا حشو إضافي لا طائل منه، وبلا نقصان يؤدي إلى فراغ في البناء السردي أو في السيناريو عامة. وهذه ميزة من مزايا المخرجة الشابة هالة خليل التي تعرف كيف تقدم سينما واقعية مليئة بشغف وبهواجس إنسانية، تقبض على مفاصلها المخرجة، وتبني فضاءات في فضاء واحد، اسمه الواقع بقسوته وجبروته المؤدي إلى انفضاض روح الكاريكتيرات عن أجسادها.

مسابقة الأفلام الوثائقية

«أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» إخراج مشترك بين السوريين هالة عبدالله وعمار البيك، العمل سبق وان عرض في مهرجان فيينا السينمائي الدولي في إطار فعالية «آفاق» التي تعنى بالأفلام ذات النكهة الخاصة، والعمل يحمل عنواناً شعرياً كما هو السيناريو يقوم على الشعر بكامله، عن علاقة الإنسان بالفن وبالمعتقل السياسي من خلال تجارب خاضها زوج هالة عبدالله الفنان التشكيلي المعروف.

«أمنية» إخراج اليمنية خديجة السلامي، التي تقدم فيلما جريئاً عن فتاة تدعى باسم الفيلم يحكم عليها بالإعدام لذنب اقترفته، لكنها تدعي البراءة، ويتم من خلال الكشف عن قصتها كشف قصص أخرى لسجينات أخريات، وحيواتهن داخل السجن، الفيلم خاص ويدخل إلى أمكنة محظورة لا يعرف عنها المشاهد كثيراً.

« البنات دول» فيلم تسجيلي عن المراهقات اللاتي يعشن حياة مزرية في احياء ازقة القاهرة الفقيرة، في مناخ من العنف وقسوة الحياة، التي تكسبهن قوة مثيرة لمواجهة واقعهن المزري. اخرجت واعدت العمل تهاني راشد على طريقة ما يسمى اليوم تلفزيون الواقع، مستحدثة عليه سينما واقعية فجة، هي من صفات وطبيعة السينما التسجيلية.

وتترك بطلات الحكايا يسردن قصصهن من دون ان تتدخل في صياغة كلامهن الجريء عن حيواتهن وقهرهن، وكيف يواجهن اقدارهن وتهميشهن، من قبل المشردين الذكور الذين يمارسون عليهن سلطة القوة الجسدية، بالخطف والاعتداء الجسدي والتعنيف، لكنهن لا يخضعن على الدوام، فيتمردن على المألوف العادي في المجتمعات البطريركية.

المخرجة تهاني راشد تعيش في كندا منذ نحو نصف قرن وتحمل جنسيتها، وهي مصرية الأصل والمولد، المكان الذي يجذبها على الدوام لتعود اليه وتصنع أفلاما عنه وعن ناسه. تارة تختار طبقة اجتماعية (راقية) لتسلط الضوء عليها .

كما في عملها «اربع نسوة من مصر»، حول اللاتي يعشن معا ويتصادمن بأفكارهن المتباينة في بحثهن عن هويات فكرية، يظهر من خلفها وعاء سياسي مؤثر ومحرك خفي لبطلات الكلام، من دون ان تتقصد المخرجة اظهار ما يتموضع خلف الحكايا، فلا تشير مباشرة اليه. كذلك تفعل في (تسجيلها) الجديد «البنات دول» لا تهتم بإلقاء اللوم او بشرح الأسباب التي أدت الى حياة مزرية لهؤلاء، كأنها تريد اشراك الرائي عملها في العمل ذاته.

فتبتعد عن تلك النوعية من الأفلام التسجيلية التقريرية سلفا والتي يكتفي الناظر إليها بمشهد او مشهدين حتى يدرك «رسالة» الفيلم . كما انها لا تتدخل بكلام بطلات الفيلم او بوعيهن، فتقدمهن كما هن، وكما يردن ان يكن.«البنات دول» من اقوى الأفلام المنافسة في هذه الفئة من المسابقة.

دبي ـ حسين قطايا