بعد ليلة الافتتاح المشهود تنطلق اليوم سلسلة الفعاليات لمهرجان دبي السينمائي الدولي، بما فيها فئات المسابقات الثلاث التي تعقد للمرة الأولى في الدورة الثالثة بعد دورتين اقتصرتا على تظاهرة العروض والنشاطات المتنوعة من برامج واحتفالات تكريمية، وندوات ومحاضرات، أسست للدورة الحالية التي ستضع المهرجان برمته بين المهرجانات العالمية العشرة الأولى، من ضمن خطة وضعتها إدارة المهرجان، وتنفذها بدقة، مع فريق عمل كبير ومتخصص في أمور التنظيم والسينما والإدارة. عروض اليوم تبدأ بفيلم جديد للمخرج خالد يوسف المثير للجدل على الدوام بأعماله، تحت عنوان: «خيانة شرعية» في أول عرض عالمي له، من بطولة هاني سلامة وسمية الخشاب وهشام سليم ومي عز الدين، عن قصة رجل ثري يقتل شقيقه وزوجته بعد فعل شائن. وعلى عادته المخرج خالد يوسف يشتغل في هذا العمل على مساحات واسعة من التركيب بين الواقع والمتخيل في علاقة جدلية، شاهدناها في عمله الأول «العاصفة» والثاني «أنت عمري» وتكرست في الثالث «ويجا» الذي عرض قبل أشهر في الصالات المحلية.

«إماراتيون واعدون» ... شجعت مسابقة أفلام من الإمارات التي تقام في أبوظبي السينما المحلية على الانطلاق باتجاه توليد مناخ يؤهل لصناعة فن سابع يعرف في واقعه، مع تشجيع ثان من مهرجان دبي السينمائي الذي يقدم هذه السنة فعالية خاصة تحت عنوان «إماراتيون واعدون» تتضمن ستة أفلام قصيرة هي: «الحلة» إخراج جاسم محمد السلطي، و«كان يا بذرة» إخراج حمد العور، و«أحمد سليمان» إخراج وليد الشيمي، و«عربانة» إخراج نايلة الخاجة، و«أسرار سارة» إخراج جمعة السهلي، و«سماء صغيرة» إخراج مشترك بين عبدالله حسن أحمد وعمر إبراهيم. والأعمال الستة من مستوى جيد وما فوق، ومتفاوتة القيمة الفنية، ولها مزايا كثيرة تبدأ من بيئتها المحلية إلى مستوى بصري يستطيع مخاطبة المشاهد بمفردات إنسانية غير مكبوتة في واقع ثقافي ضيق، فنرى في «سماء صغيرة» مستوى من فضاء شعري في علاقة والد بابنته، حساسية فنية متوقدة، وفي «الحلة» يقف الماضي بعفويته وطمعه الطازج أمام الحاضر السريع والجاف، لرجل عجوز يتذكر طفولته ولعبة كان يمارسها تحمل اسم الفيلم ذاته.

وفي «كان يا بذرة» الفيلم الكرتوني المبني على فكرة مستوحاة من قصيدة حول بذرة شجرة تسعى لأن يكون لها مكان خاص بين شجرتين، و«أحمد سليمان» فيلم مؤثر عن حياة رجل أخرس وبساق واحدة، متجاوزاً واقعه بتفاصيل صغيرة تبدو كمحطة تنقله إلى الابتعاد عن معاناة النقص الجسدي، وتفضي إلى روح غنية بابتكاراتها، و«أسرار سارة» عن غيرة امرأة على زوجها المفقود، وتناقضات ما هو مسموح للرجل وممنوع على الأنثى، لم يوفق كثيراً مخرجه جمعة السهلي بمواكبة فكرة السيناريو بفنيات مناسبة. هذه الفعالية «إماراتيون واعدون» تشي بسينما محلية واعدة بدأت نواتها بالظهور.

مسابقة الأفلام القصيرة

يقدم المهرجان عشرة أعمال لمحبي هذه النوعية من السينما التي لا تتوفر بها قدرة الانتشار في العالم العربي بسبب ابتعاد الصالات التجارية عن عرض الأفلام القصيرة، والتعاطي معها على أنها تمرين لصانعيها كونهم غير قادرين مادياً أو فنياً على إنتاج الأعمال الطويلة، وهذا تقدير خاطئ لأن الأفلام القصيرة نوعية سينمائية مستقلة، ولا حاجة للتذكير بأن السينما في أصلها قامت على الأفلام القصيرة التي جذبت جمهوراً واسعاً لهذا الفن الذي كان وافداً آنذاك على أمل أن يعي أصحاب الصالات في العالم العربي أهمية الأفلام القصيرة، التي يمكنها أن تنمي قضايا وتنجح على شباك التذاكر.

«إلى اللقاء» آخر أعمال المخرج اللبناني فؤاد عليوان، بعد «البيت المريض المشتاق إلى الوطن» و«الليلة الزرقاء» و«هوى بيروت»، التي أنتجها بعد عودته إلى بلده من الخارج، تحدثت عن رؤيته إلى واقعه الذي ابتعد عنه لفترة، وما طرأ عليه من متغيرات أو مسائل لم يكن ليراها بالاتساع نفسه اليوم. في عمله الجديد «إلى اللقاء» يختار عليوان ان يخرج من الوطن إلى المواطن المهاجر، فيختار عائلة لبنانية تعيش في سويسرا بين جبال الثلوج، وسط مجتمع لا يتقبل كثيراً الغرباء عنه، ويخضعهم لمراقبة دائمة، يقوم بها الجيران كتعبير رمزي لكنه واقعي، يعرفه كل من خاض تجربة العيش في أكثر بقاع القارة الأوروبية.

العائلة مؤلفة من الأب والأم وثلاثة أبناء، لا نرى الابنة بين الشابين المراهقين، لأنها تعيش مع زوجها، ويزورها والداها كعلاقة وحيدة مع الخارج الذي يبدو داخلياً بمعناه ومعنوياته في زيارتهم الأخيرة ثمار الأم أين تضع ما تملكه من مجوهرات قليلة، فتختار كرسياً في المطبخ، وحين تعود لا تجده لأنه انكسر بفعل حفلة صاخبة أقامها ولداها أثناء تلك الزيارة، فتتصاعد الإحداث في كادر سينمائي مكتمل النضوج بكل إشاراته الفنية والتقنية التي تظهر قدرة المخرج الشاب فؤاد عليوان على الإمساك بحبكة درامية بسيطة للوهلة الأولى تلبث ان تتبدى عميقة للإنسان اللبناني الذي يبحث إلا عن مدة فيلم «إلى اللقاء» 25 دقيقة، كافية لا تترك هذا العمل منافساً جدياً على جائزة مسابقة الأفلام القصيرة.

حكاية بحرينية

يعرض فيلم «حكاية بحرينية» من ضمن عروض المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة. وهو فيلم مدهش بقدرته على المزج بين الأحداث العامة والسير الخاصة للأفراد. فنرى المرحلة «الناصرية» نسبة للرئيس المصري جمال عبدالناصر، بكل ما حملت من طموحات وحدوية بين العرب، وانعكاسها على مجمل الشوارع العربية كجماعات وأفراد، والمجتمعات العربية الرازحة تحت سلطة الخطاب الأبوي المعطل لفعالية نصف المجتمع أي النساء الفاقدات لحق الرأي، مع انهن يحملن هموماً كبيرة تؤهلهن للمشاركة في حياة هن فيها الأمهات، لكن النظام الأبوي يأسرهن ويأسر الذكور في أفكار ضيقة، وبالتالي يتم أسر المجتمع بأكمله.

أخرج الفيلم بسام الذوادي، الذي شاهدنا له منذ عامين فيلم «زائر» الجيد الصفة، كما هو «حكاية بحرينية» أكثر من جيد في فنياته وتقنياته وطرحه لقضايا تمس صميم الحياة العربية ووعيها الجماعي السياسي، ووعي الأفراد الاجتماعي والفكري.

حسين قطايا