استضافت مدينة أبوظبي مؤخراً الاجتماع السنوي لـ «مجلس الأعمال العربي» المنبثق عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس وبمشاركة أكثر من 70 شخصية من قادة الأعمال في العالم العربي، حيث ركز الاجتماع على أربعة موضوعات رئيسية، هي الشراكة بين القطاعين العام والخاص والتجارة والتنافسية ودفع عجلة التغيير، وتأثير الوضع السياسي الراهن على الأعمال والنمو في المنطقة عموماً.
ونحن نتفق مع ما ذهب إليه رئيس مجلس الأعمال العربي شفيق جبر من أن الوضع الجيو سياسي الذي تشهده المنطقة في الوقت الراهن يبرز بصورة خاصة أهمية التعاون بين القطاعين العام والخاص أكثر من أي وقت مضى. كما أن جملة التحديات التي تواجه دولنا من الحاجة للتكتل الاقتصادي وتوفير الوظائف وإرسال دعائم التنمية المستدامة جميعها بحاجة إلى تدخل حيوي من قبل مجتمع مؤسسات الأعمال على جميع الأصعدة، ابتداءً من صياغة الاستراتيجيات إلى الاستثمار، ومن التخطيط إلى التطبيق.
ولاشك أيضاً أن مستقبل منظمات أصحاب الأعمال مرتبط بدوره بالتطور وبالمتغيرات الأساسية على الأصعدة الدولية والعربية والإقليمية والمحلية. فالقطاع الخاص أصبح له دور مهم في التنمية الاقتصادية وبالتالي هذا القطاع يحتاج إلى إطار مؤسسي لكي يتفاعل من خلاله مع دوره بالنسبة للتنمية الاقتصادية. ومن الطبيعي فان منظمات أصحاب الأعمال لها الدور الأساسي في تكوين هذا الإطار وفي حث ودعوة القطاع الخاص إلى الاستثمار في المشاريع الإنتاجية. فهذه المؤسسات مطالبة بمغادرة دورها التقليدي المتمثل في الدفاع عن مصالح مجتمع التجار ورجال الأعمال إلى دور أكثر تقدماً يتمثل في استشراف آفاق وتحديات المستقبل أمام هذا المجتمع، ومساعدته على توفير الإمكانيات البشرية والمادية للتعامل معها بنجاح.
وتبرز أمامنا على قائمة الجهات المحفزة لهذه الاتجاهات هي الحكومات العربية نفسها. فالتنمية لا يمكن ان تقوم من دون وجود بنى أساسية توفر الأموال الخارجية للمشاريع الإنتاجية وهذا ليس من اختصاص القطاع الخاص وانما من اختصاص القطاع العام. ان القطاع الخاص لا يمكن ان يكون منتجاً دون وجود سياسة حكومية اقتصادية توجه اهتماماته ووجود خطة إرشادية وليست تفصيلية توجه القطاع الخاص لتحقيق الأهداف التي ترسمها له خطط وبرامج التنمية.
وهناك العديد من السلبيات التي يمكن أن تنشأ إذا لم تواكب مؤسسات أصحاب الأعمال التطورات العالمية. ومن هذه السلبيات هي ان يبدأ القطاع الخاص في مشاريع بشكل عشوائي إذا لم تكن هناك سياسات حكومية تمثل الإطار المرجعي لبرامجه وأنشطته. وهذا ينعكس على إنتاجية وربحية المشاريع.
ومن أبرز مظاهر «العولمة» هو تركيز النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي في يد مجموعات قليلة العدد وبالتالي تهميش الباقي أو إقصاؤه بالمرة. ومن هنا جاءت ظاهرة «التفاوت» الملازمة لظاهرة التركيز التي من هذا النوع أي التفاوت بين الدول والتفاوت داخل الدولة الواحدة.
وفي ظل هذه المعطيات، سيواجه القطاع الخاص تحديات ومسؤوليات غير مسبوقة، فستكون مؤسسات هذا القطاع بحاجة إلى دراسة الخيارات الإستراتيجية والتشغيلية في ظل الأوضاع المتقلبة المتوقع ان تلازم التحرر المتسارع للاقتصاد العالمي. وفي ذات الوقت، فان على هذه المؤسسات تحديد أوجه الاستغلال الأمثل للميزات التنافسية التي تملكها ودراسة الأسواق المناسبة وكذلك تأسيس تحالفات إستراتيجية قائمة على المصالح المشتركة.
إن التغني بالعولمة لما تأتي به من استثمارات خارجية للبلدان النامية ينبغي أن ينظر إليه بحذر وحرص بسبب الخشية من بلوغ حجم هذه الاستثمارات ونفوذها حدود السيطرة وبالتالي من تعميقها للتبعية الاقتصادية أو أن تؤدي هذه الاستثمارات كما حدث في بعض دول أميركا اللاتينية والدول الآسيوية إلى أزمات مالية واقتصادية. والبديل لذلك هو تشجيع استثمارات القطاع الخاص سواء الفردية أو المشتركة عبر الدول العربية.
وسوف تواجه مؤسسات الأعمال والقطاع الخاص تحديات النمو المستثمر في ظل التغيرات التي تحدث في العالم كله، وبالتالي ستحتاج إلى دور أكبر تلعبه مع الدولة في وضع التشريعات والتوجهات والسياسات المستقبلية.
كاتب ومحلل اقتصادي