مفاجأة القمة الاستثنائية لمنتدى التعاون الصيني الإفريقي التي انعقدت في بكين وشارك فيها عدد كبير من رؤساء الدول الإفريقية والعربية، كانت في المبادرة التي أعلنها الرئيس الصيني هو جينتاو لمساعدة الدول الإفريقية وتدعيم العلاقات معها، خاصة وأنها تتضمن تقديم عون اقتصادي كبير للدول الإفريقية دون شروط سياسية، ولا حتى شروط اقتصادية من تلك التي كانت هذه الدول تُجبر على الموافقة عليها في معونات الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية، حيث لم يكن أمامها إلا قبولها بالرغم من الإجحاف الذي تنطوي عليه هذه الشروط من حيث استمرار الحاجة إليها حتى وان أدت إلى التنازل عن جزء من استقلالها السياسي.
وتضمنت المبادرة الصينية الإفريقية نقاطا اقتصادية جوهرية لدعم العلاقات مع الدول الإفريقية وتبادل المنافع معها دون إلزام تجاري أو نقدي، خاصة وانه لم يكن بها نظرة تعال أو تكبر أو إملاء شروط بالرغم من الحجم الكبير لسكان الصين وقدراته والذي يفوق حجم كل سكان القارة الإفريقية ومواردها الاقتصادية، وبالرغم من ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي بالصين ووصوله إلى ما يفوق 5,10% سنويا خلال السنوات الأخيرة، وهو معدل لم تصل إليه أي دولة افريقية تسعى للنمو، علما بأن أكثر من نصف سكان القارة الإفريقية تنقصهم الضروريات الأساسية للحياة حيث يقل معدل دخلهم اليومي عن دولارين في اليوم.
وتضمنت المبادرة الصينية الإفريقية النقاط الاقتصادية التالية:
ـ مضاعفة المساعدات الصينية للدول الإفريقية بحلول عام 2009 على أساس ما هو عليه في العام الحالي 2006 أي خلال ثلاث سنوات وسواء أكانت نقدية أم عينية.
ـ تقديم قروض ميسرة بمبلغ ثلاثة مليارات دولار أميركي بالإضافة إلى قروض ائتمانية بمبلغ ملياري دولار أميركي خلال الثلاث سنوات المقبلة، والمعروف ان القروض الميسرة تقدم بفوائد ضئيلة جدا لا تتجاوز 3% وفترة سماح طويلة تزيد على عشر سنوات.
ـ تأسيس صندوق صيني إفريقي للتنمية برأس مال خمسة مليارات دولار أميركي لتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في إفريقيا والمشاركة مع شركات محلية.
ـ إنشاء مركز دولي للمؤتمرات تحت إشراف الاتحاد الإفريقي، وذلك لمساعدة الدول الإفريقية على تنمية اقتصادياتها من خلال التعاون بين هذه الدول.
ـ إلغاء فوائد الديون على القروض التي حصلت عليها الدول الإفريقية حتى نهاية عام 2005 خاصة منها الدول الأقل نموا، وهو ما يتطلب إجراء مفاوضات عاجلة مع هذه الدول للاتفاق على كيفية الإلغاء ووقف سداد الفوائد.
ـ فتح الأسواق الصينية امام منتجات الدول الإفريقية والسماح بزيادة عدد المنتجات التي يتم تصديرها للصين من 190 منتجا إلى 440 منتجا.
ـ إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات الإفريقية المستوردة للصين، خاصة مع الدول الإفريقية الأكثر فقرا، مع تخفيض القيود الإدارية على هذه المنتجات.
ـ إنشاء من ثلاث إلى خمس مناطق للتعاون الاقتصادي والتجاري في إفريقيا خلال الثلاث سنوات المقبلة مع إنشاء عشرة مراكز تكنولوجية.
ـ تدريب 15 ألفا من خبراء الأفارقة خلال الثلاث سنوات المقبلة مع إرسال مئة من الخبراء الزراعيين الصينيين إلى إفريقيا لتدريب الإفريقيين على كيفية إنتاج المنتجات الزراعية والصناعية اللازمة لها.
ـ بناء 30 مستشفى في الدول الإفريقية وإعطاء منحة بمبلغ 300 مليون يوان صيني لمكافحة وعلاج الملاريا مع انشاء 30 مركزا لمحاربة الملاريا وإرسال 300 من الشباب المتطوعين الصينيين إلى إفريقيا لتدريب الإفريقيين.
ـ بناء 100 مدرسة ريفية وزيادة المنح الحكومية الصينية إلى الطلبة الأفارقة من ألفي منحة إلى أربعة آلاف منحة سنويا بحلول عام 2009.
ومن ذلك يتبين ان هذه المبادرة كانت مفاجأة سارة فعلا للرؤساء الإفريقيين الذين حضروا مؤتمر القمة خاصة وانها تضمنت مواد جديدة كمعونات للدول الإفريقية دون مقابل، وذلك على عكس ما يتم مع الدول الغربية المانحة للمعونات والمساعدات الإفريقية والتي تتضمن شروطا سياسية تنطوي على أمور خفية تضطر الدول الإفريقية لقبولها، مع ان الدول الكبرى المستعمرة سبق ان اقتلعت الثروة الإفريقية في النصف الأول من القرن الماضي، وهي الثروة التي كان يمكن ان تجعلها من الدول المتقدمة اقتصاديا لو ان المستعمرين تحلوا بالأخلاقيات والمبادئ السوية وقاموا بسداد قيمة ما حصلوا عليه من منتجات وخدمات وسلع افريقية بشكل عادل بالنسبة للتعليم والتنمية الاقتصادية والبشرية والتبادل التجاري.
ان الصين لم تطلب ثمنا لمبادرتها ولم تفرض أي شروط لها وهو ما سوف يفتح عهدا جديدا للعلاقات الصينية الإفريقية والعربية، عهدا يقوم على الثقة المتبادلة والدعم المنشود لكافة الأطراف والتحرر من القيود والعهود المظلمة التي واجهتها شعوب هذه الدول باستثناء فئة قليلة من هذه الشعوب رأى الاستعمار ان تظل على علاقة معه تساعده في التخطيط الذي وضعه سابقا بغرض استمرار امتصاصه للثروات الإفريقية بأشكال متعددة (شركات متعددة الجنسية وحكام لا يجيدون الحكم الرشيد وديمقراطية تسعى لإبقاء الصلة معه باستمرار).
لقد قدم الرئيس الصيني هذه المبادرة بغرض ان تكون بداية قوية لعلاقات أفضل تقوم على روابط ثابتة ومستمرة بين دول الجنوب والجنوب حيث تحددت الأهداف التالية لهذه المبادرة:
أولا: تعميق العلاقات السياسية القائمة على الثقة المتبادلة والمساواة والحفاظ على تبادل الزيارات بين المسؤولين وبداية حوار سياسي رفيع المستوى وحوار استراتيجي لزيادة الثقة المشتركة والصداقة التقليدية.
ثانيا: توسيع التعاون الاقتصادي القائم على المنافع المتبادلة عن طريق تقوية العلاقات الاقتصادية والتجارية وتوسيع مجالات التعاون بين قطاع الأعمال وتنمية الموارد الإنسانية وإيجاد أساليب ومجالات جديدة للتعاون حتى يستفيد الجانبان.
ثالثا: توسيع مجالات التعاون في المجال الثقافي عن طريق تقوية تبادل الزيارات بين المواطنين لزيادة التفاهم المشترك والصداقة بين الشعوب والشباب خاصة في مجالات التكنولوجيا والثقافة والصحة والرياضة والسياحة.
رابعا: العمل على تحقيق تنمية دولية متوازنة ومتكافئة عن طريق زيادة التعاون بين الجنوب والجنوب وتعزيز الحوار بين الشمال والجنوب، وحث الدول المتقدمة على الوفاء بالتزاماتها ووعودها في مجالات تخفيف الديون والمساعدات وفتح أسواق العمل من اجل الوصول لأهداف التنمية الألفية وتوجيه الاقتصاد العالمي في اتجاه الرفاهية للجميع.
خامسا: تقوية التعاون والتأييد المشترك في الشؤون الدولية وتكريس مقاصد الأمم المتحدة واحترام التنوع في العالم ودعم الديمقراطية في العلاقات الدولية، والمطالبة بتقوية التعاون الأمني الدولي والمبني على الثقة المتبادلة والمنفعة والتفاهم الموضوعي من خلال التشاور والتنسيق بين كل الأطراف حتى نستطيع معا التعامل مع التهديدات والتطورات في الأمور الأمنية العالمية.
ومادامت الصين لم تضع شروطا لتطبيق هذه المبادرة فإن المهم ان تعرف الدول الإفريقية كيف تستفيد منها أقصى استفادة ممكنة ولا تقع في الفخ الذي وقعت فيه بعض الدول الإفريقية التي وافقت على الشروط السياسية للمعونات التي قدمتها الدول الغربية والتي انطوت في حقيقتها على معونات تبين أنها (منها واليها) مع الفتات فقط للدول الإفريقية، وفي هذه الحالة سيعلم الجميع ان المبادرة الصينية غطت الطموحات المنشودة لها.
ويمكن ان يتم تنفيذ هذه المبادرة عن طريق تشكيل لجنة تضم ممثلين عن الدول الإفريقية والعربية التي حضرت المؤتمر وممثل عن الصين، وعلى ان تكون مهمتها التخطيط للقواعد التنفيذية التي سيتم بموجبها وضع المبادرة موضع التنفيذ العملي حتى لا تكون مبادرة بلا تنفيذ مثلما حدث مع مبادرات أخرى تقدمت بها بعض الدول الغربية وبعض المؤسسات الدولية بينما لم يتم تنفيذها، وأن يكون ذلك بالتوازي مع ما تم إقراره في المؤتمر (إعلان بكين) و(خطة عمل بكين للأعوام 2007- 2009).
والصين اليوم ليست صين الأمس فهي التي تقدمت عام 2000 في قمة الألفية بالأمم المتحدة بتصور لنظام عالمي جديد يختلف كثيرا عن التصور الأميركي الذي سبق أن أعلنه الرئيس جورج بوش الأب في عام 1991، نظام يأخذ من الرأسمالية والاشتراكية ويؤدي إلى تعاون دولي عادل بين جميع الدول مع تحقيق سلام حقيقي بعيدا عن الحروب والصدام والإجرام والإرهاب الذي يسود مناطق إقليمية عديدة بتشجيع وتفعيل من بعض الدول الكبرى.
كاتب اقتصادي مصري
y_elmasry000@hotmail.com