على غرار القطاعات الأخرى، يشهد القطاع العام في الشرق الأوسط نمواً مطرداً في عدد مشاريعه بما يتماشى مع معدلات النمو غير المسبوقة التي تشهدها دول المنطقة. وتدرك مؤسسات هذا القطاع، يوماً بعد يوم، أنها لا تحتاج إلى المحافظة على أصولها وخدماتها الحالية فحسب، بل أيضاً مواصلة النمو حتى تتمكن من تلبية الاحتياجات المتجددة للسوق وكذلك الارتقاء بجودة الخدمات إلى مستوى تطلعات الأفراد والأعمال.
وهذا أمر يمكن أن يتحقق من خلال توفير المستلزمات المتطورة الضرورية بما في ذلك المنشآت والمرافق والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية والتشريعات وغيرها. وعليه، فإن إطلاق المشاريع وإنجازها بنجاح أمر ضروري لجذب الاستثمارات وتطوير السياحة وضمان النمو الاقتصادي المستديم.
ومن شأن ذلك أن يحدث تغيراً في التوجهات والاهتمامات، الأمر الذي سيضع المزيد من التحديات أمام السلطات حتى تتمكن من تحقيق أهدافها. فنجاح القطاع العام مرتبط بنجاح مشاريعه وليس بنجاح عمليات التشغيل فقط. وهذا التغير لا يقتصر على المنطقة فحسب، بل يشمل مختلف أنحاء العالم. ولذلك فإن المعاناة التي يشهدها القطاع العام نتيجة عن هذا التغيير، هي ذاتها بغض النظر عن البلد الذي ينتمي إليه. ويعود أصل هذه المعاناة إلى حقيقة أن هيكلية القطاع العام مبنية على استراتيجيات وعمليات مكررة بدلاً من أن تكون مصممة لإدارة مشاريع فريدة أو مبتكرة.
ويرتبط بعض الأوجه الرئيسية لمعاناة القطاع العام، بتقارير الميزانية التي لا تعكس عادة الطريقة التي تمت بها هيكلية المشاريع، مما قد يطعن في دقة تلك التقارير، ويعرض مصداقية المؤسسة العامة للخطر. وتعتمد خطة الإنفاق وتقرير الميزانية في القطاع العام، عادة على ميزانيات الأعوام السابقة التي يتم تعديلها تبعاً لتقديرات نمو حجم المعاملات الخدمية. ومن جهة أخرى، يتم تحديد حجم الإنفاق المتوقع من خلال دورة حياة المشروع، كما لا يتم توزيع هذا الإنفاق بالتوازي مع مدة المشروع، بل وفقاً لمراحل المشروع والجهد المطلوب لتنفيذ كل مرحلة. ومما يزيد الأمر تعقيداً هو أن لكل مشروع دورة حياة مختلفة تناسب طبيعته. فدورة حياة مشروع بناء منشأة تختلف عن دورة حياة مشروع تقنية معلومات على سبيل المثال. وحتى بالنسبة للمشاريع ذات الطبيعة المتشابهة، فإن لكل منها خطة إنفاق مختلفة تفرضها ظروف ومواصفات المشروع المعني.
وتلعب آفاق المشروع المزمع تطويره، دوراً كبيراً في وضع خطة الميزانية. ونادراً ما يتم تحديد هذه الآفاق بشكل كامل في مرحلة التخطيط للمشروع، بل يجري تفصيلها عادة خلال عملية التنفيذ. ويضاف إلى ذلك، أن المشاريع تخضع للتغيير تبعاً للمتطلبات المتجددة للسوق، الأمر الذي يستوجب معه وضع العديد من الافتراضات والاحتمالات لمواجهة تلك المتغيرات والتي وحده الزمن كفيل بإثبات صحتها أو عدم صحتها. وفي ضوء ذلك، يجب أن نأخذ في عين الاعتبار تأثير تلك المخاطر على ميزانية المشروع، وحجم الميزانية المطلوب لمواجهتها، بما في ذلك احتياطي الطوارئ.
وهناك وجه رئيسي آخر لمعاناة القطاع العام يتمثل في أن المسؤولين يتلقون الكثير من البيانات غير الضرورية عن المشروع وفي وقت متأخر، وبالتالي لن يتمكنوا من تحديد المشاريع التي تعاني من وضع حرج أو تحتاج إلى مزيد من التركيز والاهتمام. وعلاوة على ذلك، لا تتوفر لهؤلاء المسؤولين عادة المعلومات التي يحتاجونها لضبط الإنفاق بشكل فعال، أو اتخاذ القرارات السليمة بشأن اختيار الكوادر. كما تتبنى هيئات القطاع العام عادة، استراتيجيات معيارية تم تصميمها وفقاً للخدمات التي توفرها والعمليات التي تقوم بها. وهذه الإستراتيجيات تعتمد بدورها، على ممارسات متشابهة لتعزيز الأداء. وفي المقابل، فإن إدارة المشاريع تتطلب استراتيجيات تستند إلى الكفاءة الإدارية، وتعزز التعاون بين مختلف فرق العمل، وتحدد التوجهات التي تحتاج إلى تصحيح وتحليل للنتائج والأسباب وغير ذلك.
وهنا تتجلى أهمية الممارسات المثبتة في مجال إدارة المشاريع، إذ أنها توفر العلاج الشافي لتلك المعاناة، وهو ما يفسر لنا السبب الذي يدفع القطاع العام في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى إنفاق مليارات الدولارات من أجل تطوير الكوادر المؤهلة التي تتمتع بمهارات إدارة المشاريع في هذا القطاع الرئيسي.
الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة «سي إم سي إس»
Bassam.Samman@cmcs.ae