سمحت السياسة الضريبية لهولندا بأن تتحول تلك البلاد التي تعرف باسم »الأرض المنخفضة« إلى ملاذ ضريبي لآلاف من الشركات الأجنبية والشركات المتعددة الجنسيات والتي لا يتجاوز وجودها الفعلي في هولندا عن مجرد رقم لصندوق بريد أو مقر للمراسلات الرسمية.

ورغم أن هذه الأوضاع تؤدي إلى تدفق الأموال إلى الخزانة العامة للدولة إلا أنها تهدد بصورة كبيرة صورة ومكانة هولندا بين دول العالم.

فالصورة التي أصبحت شائعة عن هذه الدولة الأوروبية التي تمتلك واحدا من الاقتصاديات المهمة في القارة هي أنها باتت أشبه بجمهوريات الموز ودول الكاريبي التي تفتح أبوابها لشركات وبنوك دولية تبحث عن دولة »بدون ضرائب« لتسجل نفسها فيها و»ترفع علمها« في حين أن نشاطها الحقيقي يتم في مواقع أخرى.

وخلال العام الحالي زاد عدد الشركات الأجنبية المسجلة رسميا في هولندا بنسبة 50% عن العام الماضي أو بمقدار 1600 شركة.

وفي دراسة أجراها مركز أبحاث الشركات المتعددة الجنسيات والمعروف في هولندا اختصارا بالأحرف (إس.أو.إم.أو) أن أكثر من 20 ألف شركة ورجل أعمال أجانب سجلوا أنفسهم في هولندا لأسباب ضريبية.

وأضاف المركز أن الوضع يزيد من احتمالات تحول هولندا إلى مركز لعمليات غسيل الأموال.

وفي المقابل فإن قائمة المستفيدين تضم الخزانة العامة الهولندية التي يدخلها حوالي 1.2 مليار يورو (1.5 مليار دولار) من هذه الشركات بالإضافة إلى 132 شركة متخصصة في الخدمات المالية والوساطة تجني أرباحا كبيرة من وراء الخدمات المالية التي تقدمها لتلك الشركات الأجنبية.

ووفقا لبيانات تعود لعام 2002 وهي أحدث بيانات متاحة في هذا الخصوص بلغ إجمالي حجم أعمال الشركات الأجنبية المسجلة في هولندا حوالي 3.6 تريليون يورو وهو ما يزيد 8 مرات عن إجمالي الناتج المحلي لهولندا في العام نفسه.

ومن ناحيته يتوقع ميشيل فان ديك الباحث في »إس.أو.إم.أو« استمرار نمو »شركات صندوق البريد« على حد وصفه.

وبجانب تلك التسهيلات الضريبية الهائلة في هولندا من المقرر أن يشهد العام الجديد تطبيق تغييرات ضريبية جديدة تتضمن خفض الضريبة على أرباح الشركات إلى حوالي 5% فقط في حين أن متوسط الضريبة على أرباح الشركات يصل في العادة إلى 30%.

وبذلك تجد الشركات المتعددة الجنسيات المزيد من الحوافز وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى نوع من الرحيل الجماعي إلى »الأراضي المنخفضة« لإدارة عمليات الإقراض لفروعها في ظل قانون الضرائب الهولندي.

وفي الوقت نفسه يقول الباحث الاقتصادي فان ديك من مركز «إس.أو.إم.أو« إن الدول النامية هي الخاسر الأكبر في ظل هذه الأوضاع حيث تفقد الخزانة العامة لتلك الدول أموالا ضخمة كان يمكن أن تتجه إليها في حال عدم نزوح الشركات الكبرى إلى هولندا وغيرها من الملاذات الضريبية الآمنة في العالم.

وأشار فان ديك إلى أن هناك مشكلة في الحصول على البيانات اللازمة لتقييم تأثير هذه الأوضاع على الدول النامية بيد أنه أضاف أن البنك المركزي الهولندي تعهد بالعمل على توفير هذه البيانات.

ويشير تقرير »إس.أو.إم.أو« إلى أن المشكلات التي تواجه هولندا تكمن جزئيا في الاتفاقات الضريبية الثنائية التي وقعتها الحكومة الهولندية مع العديد من دول العالم.

ويصف فرانسيس فيتسج أحد المشاركين في إعداد التقرير إن ما تفعله هولندا بأنه »شكل من أشكال المنافسة الضريبية الشرسة التي تكلف الدول الغنية والفقيرة« خسائر ضخمة.

ويخلص التقرير إلى نتيجة بسيطة جدا وهي أن هولندا أصبحت »ملاذا ضريبيا« وهو وصف سيىء السمعة لأي دولة لها وضعها الاقتصادي على الصعيد العالمي وهو يرتبط دائما كما ذكر سالفاً بجزر البحر الكاريبي والمحيط الهادئ.