قد تكون السوق اليابانية الأعصى اختراقاً على المصدرين والمستثمرين الأجانب، غير أنها بإجماع الآراء الأكثر إثماراً بالنسبة لأولئك الذين تمكنوا من ترسيخ تواجدهم هناك. وليس حجم السوق وحده، ما يزيد على 120 مليون نسمة، هو الذي يغوي الولايات المتحدة والأوروبيين وغيرهم من المستثمرين. ولكنها كفاءة السوق، من جهة مستهلكيها الأقوياء وقدرتها على توفير هوامش ربح عالية.
ويقول مسؤولون، إن هناك بعض العوائق التنظيمية ما زالت قائمة، ولابد من إزالتها، قبل اعتبار اليابان بالفعل سوقاً مفتوحة، فما زالت هناك ظلال شك في أجزاء من البلاد، تحيط بفتح أبوابها مشرعة أمام الاستثمار الأجنبي. ورغم ذلك فإن اللغة تبقى عقبة أخرى. ولكن على الرغم من كل تلك التحديات، فإن الإجماع قائم على أن ثمار الاستثمار في اليابان أينعت وحان قطافها.
وإلى ذلك، قال كييتشي كواكامي مدير قسم التسهيلات التجارية والاستثمارية في وزارة الاقتصاد والتجارة في طوكيو إن أية شركة تستطيع السباحة في تيار السوق اليابانية بنجاح، يمكنها خوض غمار أي سوق أخرى.
وفي السياق ذاته، فإن «بيتر فان دين هيوفل» مدير دائرة التجارة في المفوضية الأوروبية في طوكيو له الرأي ذاته، حيث قال إن وجود هوامش الربح العالية (أكثر من أي مكان آخر) وزيادة الطلب، وبخاصة على المنتجات الفاخرة تجعل السوق الاستهلاكية اليابانية، أكثر جذباً للمستثمرين الأجانب.
ومن جهته أقر مسؤول تجاري أميركي في طوكيو بأنها «سوق عالية المردود، عالية الثقافة وعلى درجة متقدمة من التطور، تجعل المستثمرين الأجانب يشعرون بالطمأنينة». وكان الناتج الإجمالي المحلي لليابان مثل العام الماضي 10% من الإجمالي العالمي، جاعلاً من الاقتصاد الياباني ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، غير أن اليابان، من حيث دخل الفرد، أكثر أهمية مما توحيه بيانات الناتج الإجمالي المحلي المجتمعية، فدخل الفرد الذي يبلغ 36 ألف دولار ومدخرات الأفراد التي وصلت إلى 400. 1 تريليون ين (12 تريليون دولار)، التي تفوق الأرقام الأميركية، تضع اليابان في مصاف أكثر الأسواق الاستهلاكية جذباً في العالم. والأكثر من ذلك أن السوق اليابانية تنتج منتجات فاخرة لأصحاب الذوق الرفيع الذين هم على استعداد لدفع أثمانها الغالية.
وكما قال كواكامي، فإن الأعداد المتزايدة من المستثمرين الأجانب، تنظر إلى اليابان كمكان مثالي، لتركيز أنشطة البحث والتطوير الإقليمية في قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والميكانيكا الدقيقة والمستلزمات الطبية.
وقد يتساءل البعض عن العوامل التي تدفع المستثمرين الأجانب لتأسيس عمليات في اليابان، في وقت تواصل فيه الصين اجتذاب أحجام قياسية من الاستثمارات الداخلية،
وفي وقت راحت فيه الشركات اليابانية ذاتها، تتوجه إلى الخارج لتأسيس مرافق إنتاج في أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا، ويعكس ذلك في بعض الحالات رغبة المصنّعين اليابانيين في القفز فوق العوائق التجارية، ولكنه مرتبط أيضاً بتكاليف الإنتاج في اليابان.
غير أن «هاروتو شيمادا» رئيس مجلس إدارة لجنة مجلس خبراء الاستثمار الأجنبي المباشر ومقره في طوكيو، يفنّد الفكرة القائلة إن اليابان هي أقل جذباً للمستثمرين من الصين، قائلاً: إن اليابان تمتلك سوقاً أكبر بأربع مرات من السوق الصينية، بالإضافة إلى نظام قضائي عريق وتكنولوجيا متطورة، وسلسلة واسعة من الصناعات الداعمة، وقوة عاملة متفانية، وبيئة معيشية محبذة، فيما يتعلق بعوامل مثل الأمن.
ومن جهة أخرى، فإن موقع اليابان في قلب منطقة سريعة النمو، يعتبر عامل جذب قوياً للمستثمرين الأجانب.
ويقول أحد المسؤولين الأميركيين التجاريين في طوكيو، إن الاقتصاد الياباني مرتبط بقوة في المنطقة، ويتمتع ببنية تحتية صلبة، وربما هي الأحدث من حيث تقنية الاتصالات والسكان الأعلى تعلماً.
وفي تقرير نشر بهدف تقييم الاستثمار الأجنبي في اليابان، قالت جترو (منظمة التجارة الخارجية اليابانية) إن شرقي آسيا تواصل النمو بوتيرة مذهلة، كما ان التكامل الاقتصادي يواصل ازدياده، ففي عام 1980 وصلت حصة شرقي آسيا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي 17%، وفي عام 2005 ارتفع الرقم إلى 9% نظراً للنمو الاقتصادي القوي لشرقي آسيا، حيث تواصل اليابان إثبات وجودها القوي.
ولعل أهم هذه الاعتبارات أن اليابان بدأت في تبني مفهوم الاستثمار الأجنبي المباشر بقوة على المستويين الدولي والمحلي، بحسب مسؤولين، وراحت تنظر إلى العولمة باعتبارها تحدياً لا تهديداً.
