الحصيلة النهائية والأكثر أهمية للحساسية المفرطة التي تبديها اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي لأسواق النفط سواء في حالة ارتفاع الأسعار أو انخفاضها هي عدم استقرار تنفيذ برامج التنمية، وبالتالي فقدان القدرة على التخطيط الاستراتيجي واتجاهات مسيرة النمو الاقتصادي.

وبينما أصبح الجميع مقتنعا أن قدرة دول المجلس على البقاء بعيداً عن الاعتماد على النفط محدودة وسوف تأخذ وقتا أطول مما متصور، إلا أن ذلك لا يمنع من بذل الجهود المختلفة، وفي مقدمتها محاولة استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية التي تجلب معها التكنولوجيا والمعرفة الفنية في مجال الصناعات الحديثة غير المعتمدة على النفط.

إن دول المجلس تسعى إلى تشجيع قدر اكبر من المشاركة من جانب القطاع الخاص وعلى تأكيد مبدأ الاعتماد على الذات. فقد قامت المملكة العربية السعودية بزيادة رسوم استخدام الكهرباء، وقررت أيضا إنشاء شركة مساهمة تضم كافة أنشطة شركات الكهرباء القائمة حاليا،

وذلك كخطوة أولى نحو تخصيص ذلك النوع من النشاط كما قامت بتكليف القطاع الخاص بمزاولة بعض العمليات في المطارات والموانئ البحرية، وعمدت أيضا إلى تجميع خدمات الاتصالات في مؤسسة واحدة بهدف نقل جزء من ملكيتها إلى القطاع الخاص وقامت بإنشاء مجلس أعلى للغاز والبترول يجيء على رأس مهامه البحث وفتح هذا القطاع أمام مشاركة الشركات الأجنبية

بينما قامت ابوظبي بتحويل دائرة الماء والكهرباء - التي تديرها الدولة - إلى شركة مساهمة تملكها الدولة وانتهجت قطر أساليب مشابهة، حيث طرحت شركة الاتصالات المملوكة للدولة في اكتتاب عام كما قامت كل من قطر وعمان سلفا بالدخول في مشاريع الغاز الطبيعي المسال بمشاركة فعالة من مساهمين أجانب.

وقد اعتمدت الكويت والبحرين ومسقط مبدأ السماح للأجانب بالاستثمار المباشر في أسهم الشركات المتداولة في السوق بينما سمحت السعودية بذلك من خلال الصناديق الاستثمارية كما أنشأت الإمارات بورصة رسمية للأوراق المالية، كما أن الكويت تعتزم السماح للشركات الأجنبية بالاستثمار في قطاع البترول

وهذا التوجه يواجه معارضة في البرلمان الكويتي كذلك تعتزم إدخال التأمين الصحي على العاملين الأجانب في القطاع الخاص. وتتسم قائمة الهيئات والمشاريع التي يحتمل خصخصتها بالشمول بالإضافة إلى تطوير عدد من المشاريع التي تشمل محطات الطاقة ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي وعمليات الموانئ ومشاريع الغاز والبنية التحتية.

كما أعلنت البحرين أنها تعتزم تخصيص سوق البحرين للأوراق المالية أيضاً وسمحت للشركات الأجنبية بتملك في المشروعات الاستثمارية . بالإضافة إلى قيامها ببيع بعض أصولها من المرجح أن تقوم حكومات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية باللجوء إلى الاقتراض من الأسواق المالية المحلية والدولية بشكل ـ مباشر أو غير مباشر.

ولا شك أن المرحلة الحالية تطلق العنان لقوى واتجاهات تعتبر مهمة وحيوية بالنسبة لتحسين الوضع الاقتصادي للمنطقة. ولعل أكثر هذه التغيرات أهمية إنما يتمثل في التوسع بصورة اكبر في تنفيذ برامج الخصخصة التي يطالب بها صندوق النقد الدولي حيث تلاحظ الدراسات التي يجريها حول دول المنطقة التباطؤ في تنفيذ هذه البرامج كما تلاحظ غياب الشفافية في أداء بعض جوانب الاقتصاديات الوطنية.

وقد تشمل الإجراءات الرئيسية الأخرى قدرا اكبر من التحرير الاقتصادي والإسراع في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة مدعمة بتطوير الشفافية والإفصاح الكامل عن أداء القطاعات الاقتصادية كما تشمل قائمة الإصلاحات القضاء على الروتين والفساد الإداري في بعض الأجهزة وهو ما يخلق حاليا أزمة ثقة بين القطاع الخاص والحكومة يحول دون تحويل جزء من 300 مليار من الدولارات يملكها القطاع الخاص في الخارج للاستثمار محليا.

ومن ناحية أخرى فإن الفرص المتاحة لنشاط قطاع الأعمال والصناعة قد تتحسن بصورة مستمرة نتيجة لسياسات الإصلاح والتحرير الاقتصادي والاعتماد على الذات، فمنطقة الخليج لم يسبق لها أن مارست رقابة على العملة أو أي نوع من أنواع القيود على التجارة .

وأخيراً لابد من الإشارة إلى أهمية التكامل الاقتصادي الخليجي بكل أبعاده. وتعتبر القرارات الخليجية بتنفيذ الوحدة النقدية عام 2010 من القرارات الإستراتيجية في مسيرة التكامل الاقتصادي.

ولا شك أن اتفاقية الجات وعصر العولمة تضغطان باتجاه تسريع عجلة التكامل الاقتصادي وخاصة في مجال فتح الاستثمار بحرية في كافة القطاعات المالية والاقتصادية وتوحيد العملة وإقامة المزيد من المشروعات المشتركة.

وهناك جانب حيوي آخر وهو فتح أسواق العمل الخليجية أمام المواطنين من مختلف البلدان الخليجية حيث سيسهم ذلك في التخفيف من حدة مشكلة البطالة التي تعاني منها بعض من هذه البلدان كما سوف يسهم في تقليص الاعتماد على العمالة الأجنبية

خصوصا أن القطاع الخاص سيكون أمامه معروض اكبر من العمالة من مختلف الأعمار والتخصصات والخبرات مما يشجعه على التعامل مع هذه العمالة. ولا يخفى لما لهذه التوجهات من تأثيرات إيجابية كبيرة على التنمية الاقتصادية في هذه الدول ككل

كاتب ومحلل اقتصادي