أصبح تحول الصين إلى ثاني أكبر قوة مؤثرة، ورابع اقتصاد في العالم، بعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وأرجحية تحولها إلى القوة الكبرى، واقعاً ملموساً. فلقد عملت التطورات الأخيرة على تأكيد نمو التأثير الصيني العالمي، وقدرت وول ستريت جورنال، انه في غضون أيام أوأسابيع، فإن احتياطات البلاد من العملة الصعبة ستصل إلى تريليون دولار، بزيادة خمسة أضعافها عن عام 2000.

وأكدت الصحيفة أن الدولارات الأميركية والأصول المجمعة بالدولار، باتت تشكل 70% من تلك المدخرات. وهذا معناه أن تقرض الصين الدولارات إلى الولايات المتحدة، مقابل ديون أميركية متعددة، بما فيها سندات حكومية ووكالات فيدرالية، ناهيك عن القروض المقدمة إلى القطاع الخاص. أما المحصلة الكبرى فهي أن تصبح الولايات المتحدة معتمدة على الصين.

ولو حدث أن قررت السلطات الصينية توجيه الأموال إلى عملة أخرى، أو زيادة الإنفاق على السوق المحلية، فإن الولايات المتحدة، ستصاب بضربة موجعة وتحيق بها أزمة مالية حادة، بحسب الصحيفة، ولقد ظل العالم طويلاً مدركاً لظاهرة غريبة، فالقيادة الصينية استبعدت طويلاً أي حديث عن دور للبلاد في زعامة العالم. ونقلت صحيفة «هيرالد وورلد بيس» عن مساعد وزير الخارجية الصيني لي هيو قوله: «إن القادة الصينيين يدركون تمام الإدراك أن الصين ما انفكت دولة نامية».

وتابع هيو قائلاً بمناسبة الحديث عن الصورة الحقيقية للصين، فإننا نشهد الآن تطوراً غير متوازن لمناطق البلاد المختلفة، فهناك مناطق ساحلية تتمتع بنمو اقتصادي سريع، غير أن هناك مناطق أخرى لا تتمتع بالنمو الاقتصادي الكافي مثل الجزء الغربي من البلاد. وما زال مئات عدة من الملايين يعيشون تحت خط الفقر.

وأضاف، لذلك فإننا نعتقد أننا ما زلنا نواجه مهام تطوير على مستوى التحديات، وحول الحديث الذي تتناوله الأوساط الاقتصادية بأن الصين، ستصبح في غضون سنوات قلائل، القوة الاقتصادية الأولى في العالم، أعرب هيو عن امتنانه لتلك الأمنيات لكنه استطرد قائلاً: إن بلاده لا ولن تتطلع للحلول مكان أي دولة أخرى في الدور الأول. فهدفنا محدد، ويتمثل في بناء دولة على مستوى متوسط من الرفاهية بحلول عام 2020، يصل فيه دخل الفرد بالنسبة للناتج الإجمالي المحلي الى 7 آلاف دولار. ويمكن فيه للمناطق المتخلفة وغير المتطورة تحقيق التطور المطلوب.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الطرح فيه مجافاة للمنطق، فالعالم الخارجي لا يعني سوى الناتج الإجمالي للبلاد، وإمكانية التأثير الاقتصادي والسياسي الذي يتضمنه، وليس في دخل فردها بالنسبة للناتج الإجمالي المحلي، وكذلك يجب أن يكون هاجس البلد نفسه إلى جانب التطور غير المتكافئ لمناطقها، وهذا هو الهاجس الذي أدى إلى موقف الصين الحذر، إذا لم يكن العدائي، تجاه مستقبلها كقوة عظمى.

في مقاطعة غوانغ دونغ الجنوبية، يعطي المدير العام لمجموعة فانغانغ ميديا، رداً بسيطاً على سؤال عما يعتقده الصينيون العاديون إزاء مستقبل الصين العظيم. ويقول إنهم غير معنيين، فهم أكثر التفافاً نحو مشاكلهم الاقتصادية. ويضيف انه حتى في غوانغ دونغ أكثر المقاطعات الصينية تطوراً هناك تمايز في الدخل بين مواطني «بيرل ريفر دلتا» وأولئك المقيمين في المناطق الريفية، الأمر الذي يخلق توترات اجتماعية.

وفي اجتماعها الأخير في بكين، صادقت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم على خطة تحدد أطر مفهوم التطور المتجانس ووضعت مهام عدة لإزالة الظلم القائم بين الأفراد والمناطق.

وهذا يثبت أن قيادة البلاد على دراية بتفاعلات الاستياء الشعبي العارم تجاه التفاوتات الحاصلة، حيث يحقق بعض الناس نجاحات كبيرة، فيما يبوؤ آخرون بالفشل، وبطبيعة الحال فإن عامة المواطنين الصينيين لن يتفهموا إن كانت حكومتهم تبذل الأموال والجهود على التزامات أقوى في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على المشكلات الداخلية،ولقد أظهرت التجربة الأميركية أن مطالب الزعامة، خصوصاً المبالغ فيها، تؤدي إلى انفاق ضخم، ليس في المجال العسكري فقط، الذي سرعان ما يدمر أية آمال في ممارسة تلك القيادة.

ومن الواضح أن السلطات الصينية لا تؤمن بأنها قادرة على قبول هذا الانفاق، والمخاطرة بإثارة استياء مواطنيها. ولعل كثيراً من البلدان تفضل أن تصبح الصين زعيماً جديداً بدلاً من الولايات المتحدة. على أمل أن تأخذ في اعتبارها جميع أخطائها لعدم تكرارها، ومع ذلك فإن كثيراً من المشاركين في النقاش يتفقون على ضرورة تأجيل تلك اللحظة قدر المستطاع