منذ أن وقعت في حب أول كلب بيكينيز في حياتي عندما شاهدت نموذجا حيا منه عند سعادة السفير الروماني السابق هنا في أبوظبي المستشرق الدكتور دوميترو كيكان، وكان من نوع الكلاب الصغيرة الحجم الجاحظة العينين الجميلة الفرو، وكان نباحه كأنه مزاح، أي من النوع المستأنس جدا بحيث لا يجفل الشخص الذي لا يعرفه فيما لو نبح عليه، ف(هوهوته) لا تجيب الخضة ولا توقف شعر الرأس من الرعب ولا تقطع الخلف، ومع ذلك إذا جد الجد فهو كلب ابن كلب لسابع ظهر من سلالة كلبية عريقة الأصول تعود جذورها إلى الصين.

بعدها حاولت اقتناء كلب وتربيته تربية منزلية على كيف كيفك، ولكن واجهتني عدة مشاكل أولها انه لا يمكن إدخاله البيت لانه يحتاج إلى تعويده على عدم تلويث البيت بمخلفاته، وذلك حسب نظرية العالم الروسي الشهير بافلوف التي استخدمت فيما بعد (النظرية والكلاب) في تربية بعض الشعوب المقهورة، والتي تتلخص في مقولة (جوّع كلبك يتبعك) .

وطبقت خاصة في البلدان الشيوعية السابقة التي زرتها أكثر من مرة ورأيت كيف فعلت النظرية فعلها (في الشعوب لا في الكلاب)، ولكن هذه نظرية حسب اعتقادي تصلح لتربية الكلاب فقط لا البشر لا سمح الله. المهم تعمقت أكثر في هذا العالم الرحيب الممتع، عالم الكلاب، وقلت أجرب اشتري كلب، مع أني أحمل معي منذ الصغر عقدة الخوف من الكلاب، منذ فترة الطفولة عندما لحق بي كلب مسعور هائج ذات ليلة ليلاء .

وكاد أن ينهش جزءا لا يستهان به من موزة الساق لولا لطف الله وأولاد الحلال الذين أبعدوه، تعزز هذا الخوف الكامن أكثر في اللاشعور في الكبر، إثر حادثة لا أنساها، ملخصها أني كنت عائدا في يوم من الأيام إلى المنزل بعد عناء يوم عمل صيفي طويل حار قضيته في مشاحنات وملاسنات وحركة دؤوبة منذ الصباح الباكر، وكنت متعبا جدا وجائعا جدا وعطشانا جدا، ومنظري لا يسرّ عدوا ولا صديق، يصلح في ذلك الوقت دعاية لفيلم كاوبوي، خاصة إذا وضع المخرج صحراء اريزونا ونباتات الصبار العملاقة كخلفية للمشهد، كنا في أحيان كثيرة نترك باب الكراج مفتوحا عادة فالدار أمان والحمد لله.

وبالفعل دخلت السيارة الكراج وما ان ترجلت واتجهت إلى الباب الداخلي، وبينما كنت أهمّ بصعود درجات متجها إلى الباب، ترامت إلى سمعي أصوات زمجرة كلب دوبرمان عصبي لا تخطئها الأذن أبدا، وكنت قريبا منه حتى خلت انه عاضضني في خشمي..

عاضضني لا محالة، فجمدت في مكاني وتسمّرت، وكنا قد سمعنا في الصغر انه إذا نبح عليك كلب فلا تركض لأنه سوف يستثار ويلحق بك فورا، ولا ادري لماذا تذكرت هذه القاعدة الذهبية، تركزت نظراتي بعد ان استجمعت رباطة جأشي كما يقولون فإذا هو بالفعل كلب دوبرمان يتطاير الشرر من عينيه والزبد من شدقيه، رابضا بالتحديد أمام الباب شاهرا في وجهي أنيابه، لا يبدو من الحكمة أبدا المزاح معه أو الركض هربا في أي اتجاه.

وبينما كانت قطرات من العرق البارد تسيل على وجهي وتقف على أرنبة الأنف، حاولت أن أحرك رقبتي قليلا إلى الخلف في اتجاه باب الكراج، فقد سمعت صوت باب سيارة يغلق بعنف وناس يركضون باتجاهي أنا والكلب، اتضح فيما بعد أنهم يركضون باتجاه الكلب فقط، فقد كان ضائعا وجاء الرجل (اتضح انه مدربه) .

وهو يصرخ بعصبية شديدة جدا على الكلب حتى خفت عليه فيما لو انقض عليه والتهمه كساندويتش شاورمة، وكل ما أتذكره بعد ذلك انه وضع السلسة الحديدية في رقبته وألبسه كمامة حديدية غطت فمه، واقتاده مخفورا إلى السيارة ذات الدفع الرباعي فالتفت إليه وهو يصرخ فيه ويقول :

أنت هنا ياابن الكلب، أنت هنا وأنا عمال أدور عليك من الصبح يا كلب ياابن الكلب يا....دون!!

aalsanjari@yahoo.com