بلغ العجز الأميركي 4, 218 مليار دولار في الربع الثاني من ارتفاع 4, 2% على الربع الأول وهو أعلى ثاني معدل في تاريخ أميركا والسبب الرئيسي وراءه أن العجز الأميركي المتزايد في الحساب الجاري وميزان المدفوعات لا يسبب خسائر اقتصادية ومالية حتى الآن هو أن الدول النامية ترغب في تمويل هذا العجز بالاستثمار في سندات الخزانة الأميركية، وقد راكمت هذه الدول فائضاً بلغ 500 مليار دولار عام 2005، واستثمرت نسبة كبيرة منه في سندات الخزانة الأميركية. ووصف كين روجوف أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد ما يحدث بأنه أكبر برنامج مساعدات أجنبية في تاريخ العالم.
وتدفق الأموال من الدول النامية الفقيرة إلى أغنى بلد في العالم أي أميركا هو عكس ما تتوقعه النظريات الاقتصادية وتقول العلوم الاقتصادية أن المال يجب أن يتدفق من الدول الغنية إلى الفقيرة، أي من أميركا مثلاً إلى الصين، حيث يندر رأس المال نسبياً والعائدات تكون أعلى. هذا هو ما حدث في أواخر القرن التاسع عشر عندما بدأت عملية العولمة، وبدأت المدخرات الفائضة في أوروبا تمول التنمية في أميركا.
غير أنه في الفترة من 1880 حتى 1914، بلغ متوسط الفائض في الحساب الجاري البريطاني 5% من إجمالي الناتج المحلي، فيما يبلغ العجز الأميركي حالياً 7% من إجمالي الناتج المحلي، ويبدو أن الدول الفقيرة تفضل الآن شراء سندات الحكومة الأميركية ذات العائد المنخفض في الوقت الذي يستطيعون فيه الحصول على عوائد أكبر من الاستثمار في بلادهم.
ويبرز سؤال مهم حول ما يدفع الدول النامية لفعل ذلك وأحد تبريرات هذا السلوك من الدول الفقيرة هو نظرية ما يسمى (بريتون وودز) التي وضعها مايكل دولي منذ ثلاث سنوات، بالتعاون مع ديفيد فولكيرتس لانداو وبيتر جاربر من دويتشربنك (بريتون وودز كان نظام تثبيت أسعار العملات عقب الحرب العالمية الثانية).
ويقول أصحاب النظرية أن الدول الآسيوية تتبنى سياسة مستمرة تقوم على خفض قيمة العملة لضمان نمو الصادرات وتشتري البنوك المركزية الآسيوية سندات الخزانة الأميركية حتى تظل عملاتها المحلية منخفضة (أمام الدولار) ويقلل ذلك من سعر الفائدة ويعزز الإنفاق الاستهلاكي في أميركا، وبالتالي يستطيع الأميركيون شراء مزيد من السلع الآسيوية، وهذا يناسب المصالح الأميركية والآسيوية على السواء.
ويقول الباحثون أصحاب النظرية أن فتح الدول الآسيوية أبوابها أمام الاستثمارات الأجنبية ساعد الصين في بناء مخزون مالي على مستوى عالمي، والدول النامية ذات أسواق المال الضعيفة لا تستطيع إجادة إدارة الأموال ولذلك تشتري سندات الخزانة الأميركية وتترك الشركات الأميركية تستثمر محلياً نيابة عنها، والعائدات على سندات الخزانة الأميركية، منخفضة،
أقل من عائدات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لكن هذا هو الثمن الذي تدفعه الدول النامية مقابل استثمارات محلية جيدة وكفوءة وبالتالي تحقيق معدل نمو أكبر على المدى الطويل، وملخص هذه النظرية أن السبب الرئيسي في تفاقم العجز الأميركي يرجع إلى الدول الآسيوية النامية وليس لأميركا ذاتها، ولأن هذه الممارسات في صالح اقتصاد الدول الآسيوية، تقول النظرية إن هذه الدول سوف تستمر في تمويل العجز الأميركي لعدة سنوات قادمة لا يعلمها إلا الله.
رأي آخر
لكن موريس جولد ستاين ونيكولاس هارالي الأستاذان بمعهد الاقتصاد الدولي في واشنطن يعتقدان أن هذه النظرية لا تبرر سلوك الصين في السابق، وبالتأكيد ليس من مصلحة الصين أن تسلك نفس السلوك مستقبلاً، فالعيب الأول في النظرية هو أن أميركا تستورد فقط خمس إجمالي صادرات الصين، وتليها أوروبا في المركز الثاني، لذلك إذا كانت تحاول الصين الإبقاء على قيمة منخفضة لعملتها المحلية كان لابد أن تحافظ على انخفاض سعر الصرف التجاري، الذي ارتفع 35% خلال ارتفاع الدولار من 1994 حتى 2001.
والدافع الأساسي لدى الصين لربط اليوان بالدولار هو تحقيق الاستقرار المالي، وليس التجارة فقط. غير أن أسعار الصرف الثابتة حالياً يبدو أنها مصدر عدم استقرار فالفائض التجاري الضخم الذي تراكم وأدى إلى فائض احتياطي ضخم نتيجة التدخل في سعر العملة يخلق فائضاً في السيولة مما يشكل خطر ارتفاع التضخم وفقاعة أسعار الأصول وسوء حسابات خطير في رأس المال.
واضطرت الصين بسبب ربط عملتها بالدولار إلى تبني سياسة نقدية متساهلة، وأسعار الفائدة التي تبلغ 3% منخفضة جداً بالنسبة لاقتصاد النمو بنسبة 10% سنوياً، غير أن هناك مجالا ضيقاً جداً لرفع سعر الفائدة لأن هذا السوق يجذب مزيداً من التدفقات المالية قصيرة الأجل، وبالتالي الحاجة إلى مزيد من التدخل، مما يزيد من السيولة النقدية وتحتاج الصين سعر صرف أكثر مرونة حتى تستطيع استعادة السيطرة على سياستها النقدية.
والسبب الآخر في أن تراكم الاحتياطي الأجنبي ليس في مصلحة البنوك المركزية، هو أن ذلك سوف يعرضهم لخسائر مستقبلية باهظة عندما ترتفع العملات المحلية أمام الدولار، ويتركز 70% من احتياطي العملة الأجنبية في الدول النامية، وغالبيتها بالدولار في أربع من أكبر خمس دول ذات احتياطي أجنبي (الصين ـ كوريا الجنوبية ـ تايوان ـ روسيا).
ويحتمل أن يبلغ الاحتياطي الأجنبي في الصين في نهاية العام الجاري إلى تريليون دولار. ويقول خبراء اقتصاديون أن ارتفاعاً بنسبة 33% في اليوان سوف يعني خسائر بنسبة 15% في رأس المال من إجمالي الناتج المحلي الصيني، وما دامت هذه الدول تراكم الاحتياطي الأجنبي، سترتفع خسائرها في المستقبل.
العيب الثالث:
النقيصة الثالثة في النظرية السابقة هي أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي حول أقل من 5% من الاستثمارات الثابتة في الصين في السنوات الأخيرة، وهذا لا يساعد بالتأكيد في خلق مخزون مالي على مستوى عالمي، وأفضل وسيلة للصين لضمان إدارة أفضل للأموال هي إصلاح نظام التمويل المحلي باستغلال رفع أسعار الفائدة لتهدئة الاستثمارات المبالغ فيها.
ويفيد ذلك بأنه من مصلحة الصين الآن السماح بمزيد من المرونة في سعر الصرف، مما يعني شراء كميات أقل من سندات الخزانة الأميركية ويعني كل ذلك أن الصين في حاجة الآن إلى تخزين عملتها من أجل مصلحة اقتصادها وليس من أجل أميركا، والحقيقة أن إطلاق حرية اليوان لن يفيد في خفض العجز الأميركي لأنه لن يحل الخلل الهيكلي بين الادخار والاستثمار وأهم أسباب ارتفاع العجز الأميركي هو انخفاض المدخرات لكن السياسيين يفضلون اتهام الصين في ذلك.
المسمار الأخير
والمسمار الأخير في نفس نظرية بريتون وودز 2 هو أن ارتفاع الاحتياطي الأجنبي الصيني ضعيف بالنسبة للعجز الأميركي وتفيد الأرقام بأن الاحتياطي الصيني المتراكم بلغ 140 مليار دولار منذ 1997 حتى 2006 فيما بلغ العجز الأميركي 720 مليار دولار، والمعادل في الاحتياطي الأجنبي بالنسبة للعجز الأميركي الآن هو الدول المصدرة للبترول، التي لديها احتياطي أجنبي حالياً يبلغ 425 مليار دولار، مقابل عجز في عام 1997، فيما الاحتياطي الآسيوي إجمالا يبلغ 250 مليار دولار.
ولدى الدول المصدرة للبترول أسباب أقوى من الدول الآسيوية لاستثمار عائدات البترول في عملات غير الدولار، لأن تجارتها أقل مع أميركا مقارنة بالدول الآسيوية وتستثمر الصناديق البترودولارات، والصناديق تبحث عن أعلى العائدات لذلك لا تحذو حذو البنوك المركزية الآسيوية وبالتالي تستطيع تغير أموالها من الاحتياطي إلى عملات أخرى عندما يبدأ الدولار في الهبوط.
وقال برتارك إن العجز الأميركي هو نتيجة لتراكم المدخرات في الدول النامية ذات الاقتصاديات الصاعدة فإذا كانت بقية العالم تدخر أكثر من الاستثمارات (أي لديها فائض في الحساب الجاري) فلابد أن تعاني أميركا من العجز والدلالة هي أن العجز الأميركي مستمر بدرجة أكبر من الذي يعتقده كثيرون لكن هذا لا يزال يربط الأمر بسؤال حول سبب تراكم المدخرات في الدول النامية في الوقت الذي ترتفع عائدات الاستثمار لديهم مقارنة بالدول الغنية.
يقول راجو رام راجان الخبير الاقتصادي في صندوق النقد الدولي أن الدول الفقيرة سريعة النمو تميل إلى الادخار وبالتالي تراكم مدخرات لا تستطيع إدارتها بسبب تخلف أنظمتها المالية. فعندما ترتفع الإنتاجية بسرعة يدخر المستهلكون غالبية دخولهم. لكن فرصة تحويل هذه المدخرات إلى استثمارات محلية محدودة جداً بسبب تخلف الأنظمة المالية، وبالتالي يفوق الادخار الاستثمار ويكون هناك فائض في البلاد.
ويفسر ذلك أيضا إن الاقتصاديات الصاعدة التي تعتمد على التمويل الأجنبي تتمتع بنمو أسرع فالاقتصاديات سريعة النمو ببساطة تولد مدخرات محلية أكبر. غير أن هذا يعني أن التدفق المالي إلى أميركا يستمر فقط في حال ظلت الأنظمة المالية في الدول النامية متخلفة وغير قادرة على توفير أدوات مالية كافية وعندما تتطور الأنظمة المالية في هذه الدول مستقبلاً يحتمل أن تختفي احتياطيات هذه البلاد.
كم يستغرق ذلك؟
في حالة الصين التي تدخر نحو 50% من إجمالي ناتجها المحلي، يعتقد كثيرون أن هذا يحدث لأن العائلات تحتاج إلى مدخرات كبيرة لتعويض النقص في الضمان الاجتماعي وغياب الاستهلاك بالأجل أو بالدين، غير أن لويس كويس الخبير الاقتصادي في البنك الدولي يقول إن معدل الادخار في الصين ليس مرتفعاً، بل أقل من نظيره في الهند، لكن ما يرفع الفائض لهذه المستويات هو ادخار الشركات والحكومة، الشركات الحكومية لا تدفع ضريبة عائدات ولذلك تراكمت مدخراتها في السنوات الأخيرة. كما أن ادخار الحكومة أيضاً مرتفع جداً.
والذين يقولون أن الدول الفقيرة سوف تستمر في تمويل العجز الأميركي لفترة طويلة مستقبلاً يغفلون أن أميركا لابد أن تسدد فيما بعد، وهذه الممارسات ليست في مصلحة أميركا على المدى الطويل فالبنوك المركزية تدعم المستهلك الأميركي بشراء السندات الأميركية الحكومية وتشجع الأميركيين على الإنفاق ببذخ وعدم الادخار والاستثمار الشديد في المنازل،
فقد أغلقت البنوك المركزية الآسيوية مفتاح ارتفاع عائدات سندات الخزانة مما ينبغي أن يكون رسالة لأميركا لترتيب البيت من الداخل وما دامت تستطيع أميركا الحصول على أموال بتكلفة منخفضة من الخارج، فليس هناك حافز يدفعها لتصحيح الخلل في اقتصادها، لكنه عندما تتعدل جوانب الخلل في الاقتصاد العالمي ستشعر أميركا بالألم وإذا لم تخفض عجزها مع الاقتصاديات الصاعدة سيعاني الدولار وسندات الخزانة وكل الاقتصاد الأميركي.
