وصل إلى صالات دمشق السينمائية فيلم الفنان دريد لحام «الآباء الصغار» متأخراً، بعد أن انتهت صالات العرض في مصر من تقديمه، ويتوقع أن يحقق حضوراً طيباً في الشارع السوري خلافاً لما حصل مصرياً، نظراً لطبيعة القصة القريبة من نبض القصص والحكايا الحياتية السورية ولمستوى المعالجة الدرامية فيه.

واختار لحام لهذا الأمر صالة عرض «الزهراء» العتيقة لتروي شاشتها عبر حكاية درامية خفيفة آخر إنجازات لحام في السينما السورية بعد انقطاع ربما وصل إلى خمسة عشر عاما عن السينما.

وجرى العرض الأول في احتفالية رسمية بحضور عدد كبير من الفنانين والإعلاميين، وقد وقف دريد لحام على باب الصالة مرحباً ومصافحاً الجميع وهي عادته في استقبال القادمين لمشاهدة أعماله المسرحية والسينمائية، بينما حضر الفنان ياسر العظمة الافتتاح في مبادرة طيبة منه بعد انفصاله عن فرقة دريد بعد مسرحية «غربة». وفي نهاية الحفل الذي قدمه دريد لحام بكلمات موجزة ومعرفاً بطاقم العمل حضر أحفاده السبعة وهم في أعمار مختلفة وقبلوه وشكروه على هذا الفيلم.

وتدور أحداث الفيلم حول شخصية «ودود» وهو أب لأربعة أطفال هم جابر ونورا ومعن وغزل.. وهذا الأب حاصل على الثانوية العامة، ويعمل مساعداً في الشرطة، وتعمل زوجته «راضية» في فندق كي تساعده، وتحلم بأن يستكمل دراسته في الجامعة في كلية الحقوق حتى يرتفع شأنه ويحصل على وظيفة أفضل، ورغم معارضة «ودود» في البداية إلا أنه يقتنع بعد ذلك من أجل تحقيق حلم زوجته وأطفاله، وأثناء دراسته وبعد أن ينهي السنة الثالثة، ولم يبق أمامه سوى عام واحد على التخرج تتوفى زوجته «راضية»، ويضطر ودود إلى الانقطاع عن الدراسة ليبحث عن عمل إضافي حتى يواجه متطلبات أطفاله، بعد أن بات عمله الأساسي عاجزاً عن توفيرها لهم، فيعمل سائق تاكسي ويواصل دورة الليل بالنهار حتى يوفق بين العملين، ويؤلم هذا الوضع أطفاله، ولهذا يقررون العمل بجانب دراستهم ليساعدوا الأب، من دون أن يخبروه.

ومن أجل إقامة أحد المشاريع الصغيرة يقرر الأطفال الأربعة الإقامة في غرفة واحدة في منزلهم وتأجير الغرفة الثانية إلى الفتاة المصرية «أمل» القادمة إلى سوريا في مهمة عمل خاصة بالآثار، وتضطرها الظروف إلى استئجار هذه الغرفة للإقامة فيها، وهنا تبدأ خيوط لعبة جديدة بعد أن تنغمس أمل في مشكلات العائلة الصغيرة وصارت جزءا لا يتجزأ من همومها، ولكن يبدو أن لهذا الانغماس حدودا لا يرغب الأولاد أن يكون كبيرا لأنهم لا يرغبون في أن تأخذ أية سيدة في الكون مكان والدتهم المتوفاة وهذا ما حرص عليه لحام في العمل حتى يبقى في أجواء الفيلم ذي النزعات الإنسانية الطيبة حتى أن الإنسان يرغب أن تكون هناك مجتمعات كهذه خالية من الشر والحقد والكراهية ولكنها قد لا تتوفر إلا في عوالم السينما.

وظل الأطفال يحاولون تحقيق حلم والدتهم المتوفاة في أن يكمل والدهم دراسته في الحقوق، لتحسين أوضاعه المادية ومكانته الاجتماعية وتكون الخاتمة بحصول الوالد على هذه الشهادة.

لا تحمل القصة الكثير مما يمكن أن يفاجئ المشاهد أو أن يقال على سبيل المثال إن الفيلم مكتوب بمشهدية سينمائية عالية، لأن نزوع دريد لحام في أفلامه الأخيرة كمخرج وكممثل كان يميل إلى البساطة في الفكرة، والى تقديم وجبة فنية وفكرية تقترب من نبض الشارع مع بعض الوخزات والتلميحات التي لا تخلو من عمل يحمل توقيع دريد لحام، الذي سبق له وأخرج ثلاثة أفلام، هي «الحدود»، و«التقرير» و«الكفرون» والأخير قام بأدائه مع مجموعة من الأطفال، كما أن الاهتمام الخاص الذي كان دريد لحام يوليه، ولا يزال بعوالم الطفولة، أهّله لحمل لقب «سفير النوايا الحسنة» في إطار منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة، وهو وإن تخلى عن أي ارتباط مع هذه المنظمة العالمية بعد استقالته من تمثيلها إلا انه عمق علاقته مع عالم الأطفال سواء في البرامج التلفزيونية أو الأفلام السينمائية.

وفي الفيلم الرابع له إخراجا، يميل دريد لحام إلى خلق مشهدية خاصة بالقصة وبالشكل الفني العام للعمل، وبالتالي ليست هناك لقطات خاصة أو لمحات فنية عالية لان الواقعية البسيطة والنقل المحدد لمفردات الواقع عبر الكاميرا هو ما يجتهد عليه دريد لحام وبالتالي كان ثمة حرص على أن يكون هذا العمل للعائلة دون أية رتوشات فنية وفكرية تعقد وصول الفكرة أو تبني حاجزا نفسيا بين المشاهد والمشهد، أو تخدش حياء العائلة،وظلت الكوميديا التي ضحك المشاهد عليها وصفق لها هي اللعب على أوتار اختلاف اللهجة بين السوريين والمصريين تحديا لوجود ممثلة مصرية بين طاقم عمل سوري بالكامل.

فيلم «الآباء الصغار» من إنتاج سوري مصري وساهمت في بطولته، إلى جانب دريد لحام، الممثلتان حنان الترك من مصر، وسلمى المصري من سوريا، وإذا كان الفيلم لا يقدم نفسه على انه انجاز في السينما إلا أن أداء الفنانين فيه وخاصة الأطفال الصغار كان لافتاً وفيه قدر كبير من الموهبة والتدريب، وظل العمل قريباً من الحياة والضحك بعيداً عن السينما.

دمشق ـ جمال آدم